عيون عملاقة على الكون

تلسكوب هابل الفضائي أطلق عام 1990 (أسوشيتد برس-أرشيف)
تلسكوب هابل الفضائي أطلق عام 1990 (أسوشيتد برس-أرشيف)

هاني الضليع 

حين وجه غاليليو تلسكوبه إلى السماء أول مرة عام 1609 فرأى فوهات القمر وأقمار المشتري وحلقات زحل، لم يكن الحدث عاديا، بل كان ثورة حقيقية في رؤية ما وراء قدرة العين البشرية، لقد افتتح بوابة عالم جديد لم تغلق، ولن تغلق بعد ذلك.

هي مجرد اختراعات بسيطة، لكنها غيرت مجرى التاريخ، فالسلك الملفوف الذي يتحرك داخل مجال مغناطيسي ولد لنا الكهرباء، وقطعة الزجاج التي صنعت بشكل عدسة محدبة سبرت لنا أعماق الكون والمجرة، ومبدأ بسيط في فهم حركة الهواء جعل من الإمكان تحليق الطائرات الضخمة في السماء، وغيرها من الأفكار التي غيرت شكل الحياة على سطح الأرض.

أما التلسكوبات فهي قصة تروى، إذ يقوم مبدأ عملها على نفس فكرة عدسة العين البشرية وهي تجميع الضوء على الشبكية. وبدلا من الشبكية، يتجمع ضوء التلسكوب في بؤرة صغيرة، لتقوم عدسة على شكل مجهر بسيط بتكبير صورتها المتجمعة، ولتظهر أجرام وتفاصيل ما كانت تظهر حتى لدى زرقاء اليمامة.

فالتلسكوبات، إن صحت رواية زرقاء اليمامة، تفوقها قدرة بمئات بل آلاف المرات، فكلما زاد قطر عدسة التلسكوب أو مرآته المقعرة زادت قدرتها التجميعية.

بل إن العلماء والمصانع والمراكز البحثية يتنافسون عادة في صناعة التلسكوب الأكبر، وبالطبع صناعة الأجهزة المرافقة له التي ستقوم بتحليل الضوء القادم عبره ودراستها.

تلسكوب تشاندرا يرصد السماء بالأشعة السينية (رويترز)

العدسة الشيئية
وهو ذات المبدأ الذي يتبعه هواة الفلك في اختيار تلسكوباتهم، إذ يحرص أي هاو فلكي على أن يقتني التلسكوب الأكبر مرآة كي يحصل على صورة أوضح، وبزيادة قطر التلسكوب يزداد سعره وهو نفس ما يحدث عند شراء المناظير مزدوجة العينية (الدربيل) فإن من الضروري معرفة قطر العدسة الشيئية وعدد مرات التكبير من أجل الحصول على صورة أوضح.

ويعد تلسكوب "هيل" ذو الأمتار الخمسة على جبل بالومار في كاليفورنيا أول التلسكوبات الكبيرة تشييدا بالعالم عام 1948, وقد بقي الأكبر حتى ظهر تلسكوب "القوقاز" الروسي بقطر ستة أمتار عام 1975.

غير أن هذا المجد لم يدم طويلا لأي منهما، فقد ازدهر عصر بناء المراصد الفلكية، فشيدت منها العشرات ما بين كبير وصغير، وبلغ أكبرها قطرا حتى الآن حوالي 11 مترا وهو التلسكوب العملاق "جيان" في جزر الكناري، يليه تلسكوب "كيك" المزدوج العملاق في هاواي بقُطر عشرة أمتار لكل منهما، ثم التلسكوب "الرباعي الكبير جداً" في تشيلي بقطر ثمانية أمتار لكل واحد منها.

وبسبب أثر الغلاف الجوي الذي يتسبب في امتصاص جزء من ضوء الأجرام السماوية وانكسارها مما يعني عدم وضوحها على حقيقتها، فقد زودت أكثر هذه التلسكوبات بأنظمة متقدمة جدا تحاكي حركة اضطراب الغلاف الجوي الناتج عن اختلاف درجات حرارة طبقاته، وتدعى المعوضات البصرية "أدابتف أوبتكس" حيث يعمل شعاع ليزر قوي جدا ينطلق من مكان ما في المرصد على اختراق طبقات الغلاف الجوي لقياس مقدار اضطرابه، ليقوم الجهاز بإثر تلك البيانات التي يرسلها شعاع الليزر بهز مرآة التلسكوب بطريقة توافق الاضطراب في الغلاف الجوي وكأنها تلغي تأثير وجوده، مما يعطي صورة دقيقة وأكثر وضوحاً للأجرام التي يتم تصويرها.

وبالرغم من ذلك، فإن النتائج لا تكون هي المرجوة دوما، لذا كان خيار التوجه إلى الفضاء، وكان أول تلسكوب يرسل إلى الفضاء هو "تلسكوب هابل الفضائي" الذي أطلق عام 1990 ولا يزال صامدا يعمل حتى بعد مرور 28 عاما.

فتلسكوب هابل الفضائي ليس مجرد تلسكوب عادي بقطر مترين وأربعين سنتيمترا، بل هو الثورة الحقيقية التي طورها رواد علم الفلك، فقد استطاع في غضون سنوات قليلة من عمره الكشف عن حقائق كونية أضعاف ما كان جمعه علم الفلك منذ فجر تاريخه. ولذلك صار هذا التلسكوب أيقونة الفضاء لدى هواة الفلك والعلماء، ولو كان أصحابه يقرضون الشعر لناله الكثير من ذلك، إذ الإلهام الذي منحه هذا التلسكوب للفلكيين فاق تصوراتهم، بل فاق حدود ما كانوا يصبون إليه يوم فكروا في إرساله إلى الفضاء.

أكبر تلسكوب أرضي في العالم بالصين (الصحافة البريطانية-أرشيف)

هابل الفضائي
لكن هابل ليس التلسكوب الوحيد في الفضاء، بل تلسكوبات كثيرة، فالغلاف الجوي ذلك السقف المحفوظ لا يسمح لأية أشعة ذات طاقة عالية بأن تصل سطح الأرض، فلا الأشعة فوق البنفسجية ولا السينية ولا أشعة جاما قادرة على الوصول، وكذا الحال أكثر مع الأشعة تحت الحمراء، فكان لا بد من أن تصعد التلسكوبات إليها، فعلى ارتفاعات لا تزيد عادة على ستمئة كيلومتر، تتخذ جميع التلسكوبات مدارات حول الأرض.

ويرصد تلسكوبا "تشاندرا" و"أكس أم أم" السماء بالأشعة السينية، وكذلك تلسكوب "سبتزر" الذي يرصد بالأشعة تحت الحمراء، أما تلسكوب "فيرمي" فيرصد السماء بأشعة جاما، وتلسكوب "كبلر" المتخصص برصد الكواكب النجمية يرصد بالألوان المرئية، وغيرها من التلسكوبات التي تدور في الفضاء ولكل مهمة خاصة به ينتج عنها اكتشافات علمية وأوراق بحثية لم يكن بالإمكان الحصول على نتائجها من على سطح الأرض.

ولأن طموح الإنسان لا يتوقف وقدرات عقله لا يمكن حدّها، فإن أسراراً كثيرة لا تزال تقف عائقا في وجه العلماء بسبب عجز أجهزتهم ومحدودية قدرتها على الحصول على المعلومة، لذلك أخذوا يتطلعون إلى بناء تلسكوبات أكبر وأكثر عملقة، سواءً على الأرض أم في الفضاء.

فالمشاريع القائمة الآن عملاقة حقا، ومكلفة في نفس الوقت، وتحتاج الكثير من الجهد والعلم والوقت والمال، فها هو تلسكوب الفضاء "جيمس ويب" الفلكي الكبير (خليفة تلسكوب هابل) بقطر ستة أمتار على وشك أن يصبح جاهزاً، وموعد إطلاقه إلى الفضاء سيحين أوائل 2019، حيث سيوضع في مدار بعيد جدا عن الأرض في نقطة تدعى نقطة لاغرانغ الثانية، وتقع على بعد مليون ونصف المليون كيلومتر على امتداد الخط الواصل بين الشمس والأرض بحيث يكمل دورة واحدة مع الأرض كل سنة، فيحافظ بذلك على موضعه ثابتاً من الأرض والشمس. وسيتركز مجال رؤيته على نطاق الأشعة تحت الحمراء القادرة على سبر أعماق المجرة حتى مع وجود أغبرتها بين النجمية وسدمها المنتشرة في جميع أطرافها.

أما على الأرض، فتلسكوب "ماجلان العملاق" بقطر 25 متراً سيرى النور عام 2023 ليعمل بقدرة مئة مرة في جمع الضوء من تلسكوب هابل الفضائي، وليكون الأكبر بناءً على الأرض، إذ ستكون مرآته فقط بقدر مساحة ملعب كرة السلة.

ولأن المستقبل واعد، فالميزانيات الموضوعة لهذا المستقبل كبيرة بل وضخمة، فالممولون يدركون بأن هذا العمل البحثي سيقود في النهاية إلى اكتشافات تجيب عن تلك الأسئلة الكبيرة أو تحاول، لذلك يدفعون على هذه البرامج بسخاء, كما تقتطع الحكومات من ميزانياتها السنوية لتمويل هذه المراكز البحثية والجامعات في محاولة لأن تجد لبلدانها موضع قدم راسخة بين الأمم المتقدمة، قدم في الفضاء لا تتزحزح.


____________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

المصدر : الجزيرة