النفايات العضوية.. من نقمة إلى نعمة

مكب ضخم للنفايات في مدينة إسطنبول بتركيا (غيتي)
مكب ضخم للنفايات في مدينة إسطنبول بتركيا (غيتي)

الصغير محمد الغربي*

لطالما اعتُبِرت النفايات العضوية مواد عديمة الفائدة ومصدرا لتلوث البيئة وشرا يصعب التخلص منه. لكن هذه النظرة القاتمة تجاهها بدأت تتغير نحو الاتجاه الإيجابي خلال السنوات الأخيرة، بعد نجاح تحويلها إلى مصدر نظيف للطاقة وإنتاج السماد لتخصيب التربة، مع توقعات بأن تشكل في المستقبل مصدرا بديلا للمواد الأولية الطبيعية في العديد من القطاعات الاقتصادية.

في ظل ما تشهده أسعار المواد الأولية والطاقة من ارتفاع مع استنزاف للثروات الطبيعية، اتجهت الأنظار منذ سنوات إلى تثمين النفايات بصفة عامة وخاصة العضوية منها، واعتبارها منجما سيكون من الإسراف عدم استغلاله في المستقبل.

وتنتج النفايات العضوية عن العديد من المصادر، كالصناعات الغذائية والزراعة والقمامة المنزلية، وتتميز باحتوائها على مواد قابلة للتخمر في الهواء أو في غياب الهواء، مما يجعلها مصدرا ملوثا للبيئة ومصدرا لغاز الميثان المسبب للاحتباس الحراري.

وتتضح الصورة حول مدى الخطر الذي تمثله هذه النفايات من خلال الكميات المهولة التي ينتجها البشر سنويا. ففي دول الاتحاد الأوروبي تبلغ كميات النفايات العضوية أكثر من 43 مليون طن سنويا، بينما تبلغ هذه الكميات في الولايات المتحدة 34 مليون طن، عدا الكميات المنتجة في دول أسيا وأفريقيا والتي يرجح أن تكون أكبر من مثيلتها الأوروبية.

عادة ما يكون مصير النفايات هو الإهمال أو الحرق، وهو ما يشكل عبئا إضافيا على البيئة بسبب الغازات التي تصدر منها خلال عملية الحرق أو التحلل

وعادة ما يكون مصير هذه النفايات هو الإهمال أو الحرق، وهو ما يشكل عبئا إضافيا على البيئة بسبب الغازات التي تصدر منها خلال عملية الحرق أو التحلل.

وفي إطار سعيها لحل مشكلة هذه النفايات والحد من أضرارها قدر الإمكان وتثمين مكوناتها، عمدت العديد من الدول إلى تشييد محطات لإنتاج الغاز الحيوي من هذه النفايات باستخدام تقنية الهضم اللاهوائي أو الهضم من دون أكسجين، وهو عملية تحلل حيوي بطريقة طبيعية للمواد العضوية في غياب الأكسجين ينتج عنها أسمدة عضوية تستخدم في تخصيب التربة، وغاز مركب يتكون أساسا من الميثان بنسبة تقارب الثلثين ومن غاز ثاني أوكسيد الكربون (حوالي الثلث)، إضافة إلى شوائب أخرى.

وتختلف تلك النسب بحسب مصدر النفايات إن كانت منزلية أو زراعية أو صناعية. وينتج الغاز الحيوي نصف كمية الطاقة التي ينتجها الغاز الطبيعي الذي تفوق فيه نسبة غاز الميثان (أو البروبين) 96%.

لكن الغاز الحيوي يبقى ذا أهمية بالغة ليس فقط كمصدر لتشغيل مولدات الطاقة الكهربائية ووقود للسيارات ومصدر لإنتاج الهيدروجين، بل كذلك في التخلص من غاز الميثان الناتج عن تحلل المواد العضوية والمعروف كأحد غازات الانحباس الحراري، وقدرته على تسخين الجو أشد 25 مرة من تأثير غاز ثاني أكسيد الكربون.

غير أن كميات النفايات العضوية المستخدمة في إنتاج الطاقة ما زالت ضئيلة نسبيا. وبحسب وكالة حماية البيئة الأميركية فإن عمليات التحويل لا تشمل حاليا سوى 3% من هذه النفايات. ويمكن أن ينتج تحويل 50% من هذه النفايات من مدافن النفايات إلى آلات الهضم اللاهوائية في المستقبل، غازا حيويا يولد طاقة كافية لخدمة أكثر من 2.5 مليون منزل سنويا.

بالنسبة للباحثين، تبدو النفايات العضوية منجما مهما ليس فقط لإنتاج الغاز الحيوي والسماد العضوي بل كذلك لاستخراج وتصنيع مواد مختلفة تشكل مواد أولية لمسار صناعي، فيما يطلق عليه اسم الاقتصاد الدائري.

للحد من ضرر النفايات العضوية يجب التفكير في غلق حلقات التصنيع بجعل النفايات المنتَجة في نهاية مسار إنتاجي معين هي نفسها المواد الأولية لمسار أو مسارات إنتاجية أخرى

وقد كتبت مجلة "ساينس" منذ سنوات أنه للحد من ضرر النفايات العضوية يجب التفكير في غلق حلقات التصنيع، بجعل النفايات المنتَجة في نهاية مسار إنتاجي معين هي نفسها المواد الأولية لمسار أو مسارات إنتاجية أخرى.

وفي هذا الإطار يعمل باحثون على إنتاج مركبات كيميائية من النفايات العضوية المنتجة من الصناعات الغذائية ومن الزراعة. وقام العلماء بإنتاج مادة الغليسرين من النفايات العضوية لعمليات إنتاج الديزل الحيوي وتحويل الزيوت النباتية. وهي مادة كيميائية مهمة تستخدم في الكثير من الصناعات، كصناعة مستحضرات التجميل وصناعة النسيج والورق والصناعات الغذائية.

وفي مجال الصناعات الكيميائية كذلك، تعمل بعض الشركات على تصنيع أنواع جديدة من البلاستيك الحيوي القابل للتحلل من نفايات عمليات التحويل الصناعي للطماطم والعنب وغير ذلك من المنتجات الزراعية.

أما في قطاع البناء والإنشاءات وهو أكثر القطاعات استهلاكا للمواد الأولية، فقد وجد باحثون أن بعض النفايات العضوية يمكن أن تكون بديلا نظيفا لمواد البناء المستخدمة حاليا، ولمجابهة نقص الموارد بسبب الاستنزاف السريع الذي تتعرض له مختلف الثروات الطبيعية كان لا بد من التفكير في مواد بديلة.

وطبقا لنتائج بحوث أجراها مكتب إنجليزي للاستشارات الهندسية، فإن قشور الموز والبطاطس والفول السوداني على سبيل المثال يمكن أن تكون مصدرا لمواد البناء المستدامة في المستقبل. وتبدو الفكرة من الوهلة الأولى مجرد فكرة طريفة وغير واقعية، لكن دراسة خصائص هذه المواد تثبت عكس ذلك. وقد تمكن الباحثون فعلا من تصنيع مواد بناء مستخلصة من هذه النفايات.

فبفضل قشور الفول السوداني تم تصنيع مواد تتميز بقدرة عالية على مقاومة للرطوبة ومكن استعمال الفطريات من صنع لبنات عضوية للبناء. وباستخدام قشور البطاطا بعد معالجتها وتجفيفها تمكن المهندسون من تصنيع مواد عازلة للصوت ومقاومة للحرارة.

وتمتلك هذه المواد الجديدة -بحسب الباحثين- مميزات مهمة من وجهة نظر بيئية، فهي تحد من النفايات وتأثيرها السلبي على البيئة من ناحية وتمثل بديلا جزئيا لمواد البناء التقليدية، مما يساهم في كبح جماح الاستنزاف الذي تتعرض له المواد الطبيعية.

عمليا لا يمكن تطبيق مبدأ الاقتصاد الدائري وغلق حلقة التصنيع غلقا محكما بالاعتماد على تدوير النفايات إلى ما لا نهاية، وسيكون من الصعب جدا من الناحية التقنية القضاء نهائيا عليها. لكن ذلك لا ينتقص من أهمية جهود تثمين هذه النفايات للحد من مخاطرها على البيئة من جهة والاستفادة منها من جهة ثانية باعتبارها مصدرا بديلا للعديد من المواد، يمكن أن يخفف من الاعتماد على الثروات الطبيعية المستنزفة.

________________
* إعلامي تونسي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة