مغارة الحمام.. موطن الإنسان القديم بشرق المغرب

الجزيرة نت-تافوغالت

إلى وقت قريب، أخفت جبال "بني يزناسن" شمال شرق المغرب حقيقة مذهلة ما كنا لنعلمها لو لا لهفة الاكتشاف. فبين هذه الجبال الوعرة، تنزوي مغارة الحمَام بنفسها مراقبة ما يحيط بها من أشجار ووديان، حيث لا يمكن الوصول إليها إلا عبر مسالك تكاد تشق الأنفس.

ورغم أن هذه المغارة كانت محط أبحاث وحفريات قديمة، فإنها ظلت في مخيال السكان المحليين مجرد مغارة معلقة في الجبال، كما يحبون تسميتها، لا تختلف كثيرا عن باقي المغارات في مناطق أخرى من المملكة المغربية.

وفي الأسبوع الماضي، جاب اسم مغارة الحمام العالم كواحدة من مواطن الإنسان القديم، بعد اكتشاف أقدم جيناته في أفريقيا -والتي يبلغ عمرها 15 ألف سنة- على يد فريق بحث في علم الآثار والجينات (الوراثة) من المغرب وبريطانيا وألمانيا، على رأسه الدكتور عبد الجليل بوزوكار الباحث في معهد علوم الآثار والتراث بالرباط.

وبسبب الغنى الأركيولوجي الذي يميز مغارة الحمام، صنفتها الدولة تراثا وطنيا، لكن سكان تافوغالت بإقليم بركان -والمقدرين بحوالي ثلاثة آلاف نسمة- ما زالوا ينتظرون أن يستثمر هذا الكنز لخدمة التنمية، حتى يكون هناك عائد مادي يخرج قريتهم من الفقر، كما هو شأن عدد من المواقع الأثرية والعلمية في العالم.

مغارة الحمام في تافوغالت (الجزيرة)

قصة الاكتشافات
وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات الفرنسية تسعى لفرض نظام الحماية على المملكة المغربية، كان هناك طبيب فرنسي ضمن الحملة العسكرية يجوب محيط المغارة، وأدرك بحسه العلمي أن في الأرجاء كنزا أثريا.

يقول الدكتور حسن أوراغ الباحث في علم المستحاثات بجامعة محمد الأول بمدينة وجدة للجزيرة نت إن الطبيب الفرنسي بينشو "أدرك بعد عثوره على عدد من الأدوات الحجرية القديمة، أنها "مؤشرات قوية على وجود آثار داخل المغارة".

ولأن تخصص "بينشو" العلمي بعيد عن علم الآثار، لم يجد بدا من الاستعانة بصديقه الباحث في مجال الآثار أرماند غولمان الذي قضى مدة سنتين في المغارة وهو يبحث، وكانت المؤشرات كلها توحي بوجود آثار إنسان فيها.

بعد ذلك بسنة، التحق بالمغارة الباحث الفرنسي أيضا جون روش وبحث داخلها مدة 15 سنة، ليكتشف العديد من الأدوات والأغراض التي استعملها الإنسان القديم في هذه المنطقة لتدبير أموره اليومية، ويحملها معه إلى فرنسا مسقط رأسه، حيث توجد إلى اليوم.

بعض ما أظهرته الحفريات في مغارة الحمام (الجزيرة)

حضارات متعاقبة
داخل المغارة، وضع الباحثون ترقيمات لكل الطبقات التي تم اكتشافها، آخرها الطبقة التي تحمل الرقم 1، وهي طبقة تؤرخ للحقبة الزمنية التي تمتد من 11 ألف سنة إلى 23 ألف سنة والمعروفة باسم الحقبة "الإيبوموريزية".

ويميل لون هذه الطبقة كثيرا إلى الرمادي القريب من السواد، وهو دليل على استخدام إنسان هذه الفترة النار لطهي الطعام.

ويقول أوراغ إن هذا اللون اكتسبته من الرماد الذي كانت تخلفه النار، وهو ما يدل على أن إنسان تلك الحقبة قام بتطويع النار واستخدامها حتى يستفيد من منافعها.

ووصلت الحفريات إلى عمق لم يتجاوز عشرة أمتار، وما دام القاع لم يظهر بعد، فإن التحقيب الزمني مستمر، ويمكن اكتشاف حقب تؤرخ لاستيطان الإنسان هذه المنطقة قد تتجاوز مئة ألف سنة.

مناطق مغطاة بسبب الحفريات (الجزيرة)

أبحاث مكثفة
الأبحاث المكثفة التي أجراها الدكتور عبد الجليل بوزوكار بمعية فريقه طوال السنوات الماضية، والمتوجة بالاكتشاف الأخير، سيمكّن -بحسب تصريح الباحث للجزيرة نت- من تحديد الأمراض التي كان يصاب بها الإنسان القديم، والتي بدورها ستمكن من تحديد نمطه الغذائي.

وقبل هذا الاكتشاف، قطع اكتشاف آخر في المغارة نفسها مع الاعتقاد السائد بأن مرض الأسنان (التسوس) ظهر مع تطور النشاط الفلاحي وتنوع سلة الغذاء، إذ إن الأبحاث التي أجريت على عدد من الهياكل العظمية التي عثر عليها في المغارة -والتي وصلت لمئتي هيكل عظمي- تبرز أن مرض الأسنان كان يعاني منه إنسان الفترة القديمة الذي عاش قبل 15 ألف سنة.

واكتشف الباحثون قبل سنوات أن إنسان تلك الفترة يشبهنا أكثر عندما وقفوا على أقدم حلي في العالم على شكل طقم من صدفيات البحر وقشور بيض النعام، وكما هي حالنا فالزينة لها دور مهم في حياة إنسان هذه الفترة، على اعتبار أنه كان يتصل بشكل دائم مع تجمعات بشرية أخرى، بحثا عن المواد الأولية لتصنيع أدوات الصيد والاستخدام اليومي.

المصدر : الجزيرة