تقنيات وفنيات أطفال غزة تواجه الحصار

محمد عمران-خان يونس

تشعل الطفلة مريم النجار النار من ولاعة صغيرة وتحركها أمام مجسات الروبوت الإطفائي، المصمم والمنفذ على يديها بالشراكة مع أربع من زميلاتها، ليتّجه الروبوت صوب الشعلة المتحركة بيد الطفلة فيلتقط الإشارات الحرارية من المصدر الضوئي ويبدأ بإخراج المياه من مضخته لإطفاء النار.

تكرّر الطفلة مريم التجربة أمام المشاركين في معرض "أطياف فنية وعلمية" المتخصص بعرض إبداعات وابتكارات أطفال غزة فنيا وعلميا، والفرحة تبدو على وجهها وهي تعرض لأول مرة إنجازها، بعد ستة أشهر من تدريب وعمل دؤوب نجحت من خلاله في صناعة روبوت لإطفاء الحرائق.

وتظهر مريم فهما دقيقاً لآليات عمل الروبوت وهي ترد على استفسارات الملتفّين حولها، رغم احتوائه على مكونات تقنية تبدو صعبة الفهم بالنسبة لعمرها وهي ابنة 13 ربيعا، كالمحول الكهربائي واللوحة الإلكترونية والمقاومات والمكثفات والمحركات والمتحكمات وغيرها.

مشروع الروبوت الإطفائي للطفلة مريم النجار (الجزيرة)

ووسط عبارات الإطراء والثناء المنهالة على الطفلة، زاد حماسها لتعبّر عن طموحها بتحويل نموذجها الأولي إلى تجربة عملية موسعة بغزة، يمكنها إنقاذ أرواح أبرياء من الحرائق خصوصا خلال الحروب.

وكما سيطرت فكرة الروبوت الإطفائي على مريم منذ أن شاهدت النيران تشتعل بأحد المواقع خلال الحرب الأخيرة على غزة عام 2014، فإن مشروع زميلتها سجى عامر حول إنتاج المياه من البخار الموجود في الجو كان نابعاً من نقص المياه لدى عائلتها وأقاربها بالحرب ذاتها.

روبوتات أنتجها أطفال وشاركوا بها في معرض "أطياف فنية وعلمية" الذي نظمته جمعية الثقافة والفكر الحر (الجزيرة)

ومع كل نقطة مياه كان يوفرها الجهار الكهربائي المصمم من قبل سجى ورفيقاتها وفق فكرة تكاثف بخار المياه على الأسطح الباردة، كانت الطفلة تقبض على كفيها وتهز يديها ابتهاجا لحصدها نتاج جهدها وتأكيدها رسالة لطالما أرادت التعبير عنها بالأعمال لا بالأقوال، كما تقول، وهي أن "أطفال غزة يمتلكون روح الإبداع والابتكار كغيرهم من أطفال العالم إن لم يكن أكثر".

وخضعت سجى -كغيرها من الأطفال المنتجين لعشرات المشاريع والأجهزة التقنية وتطبيقات الحاسوب المشاركة في المعرض- لبرنامج علمي متخصص في تطوير الجوانب التقنية لديهم، وذلك لتشكيل وتأهيل نواة علمية يمكنها تحقيق إنجازات في المستقبل القريب، بحسب مشرف البرنامج المسمى "لينك" يوسف ضاهر.

وبينما كان مشرف برنامج "لينك" يتابع بدقة تنفيذ الأطفال مشاريعهم التكنولوجية عملياً، خصوصاً بعد تجمع فئات عمرية عديدة من ضيوف المعرض حولها، كانت الإضاءات والأصوات الناتجة عن تشغيل الروبوتات والمعدات والأجهزة تزيد من إحساس الحضور بأنهم في معرض تقني رغم بساطة الإمكانات.

أطفال ينفذون عمليا تجارب علمية خلال مشاركتهم في معرض "أطياف فنية وعلمية" (الجزيرة)

وبجانب المشاريع التكنولوجية المتصدرة لقاعة المعرض، برزت إنجازات الأطفال على صعد العلوم والأحياء والتجارب العلمية وحفظ التاريخ الطبيعي والرصد الفلكي والفيزياء وغيرها، لتحظي باهتمام واسع من الزوار خصوصاً وأنها قدمت بطريقة توظف التقنيات بخدمة العلوم.

وتبرز أهمية المشاريع المشاركة في المعرض كونها أنجزت بإمكانات محدودة للغاية ومن قبل طلبة مدراس، بحسب ضاهر، إضافة إلى الصعوبات المتعلقة بمنع الاحتلال إدخال بعض الاحتياجات والقطع الإلكترونية المستعاض عنها ببدائل انتُزعت من ألعاب الأطفال وبعض الأدوات البالية.

وبموازاة تأكيد مشرف البرنامج على القيمة العلمية والمعنوية لهذه المشاريع بالنسبة للفلسطينيين، فإنه يتوقع تطوّر المهارات الإبداعية لدى الأطفال بمواصلة تأهليهم علميا وتقنيا، مع الاستفادة في مراحل لاحقة من مخرجاتهم في أمور حياتية تلبي حاجات فئات عديدة.

جانب من معرض "أطياف فنية وعلمية" خصص لرسومات الأطفال ومشغولاتهم اليدوية (الجزيرة)

ومثلما نجح بعض أطفال غزة في إظهار قدراتهم العلمية، أبدع آخرون بالفن والرسم عبر لوحات ومنتجات يدوية زادت من جمال المعرض، وحققت نوعا من التوازن البصري بين جمود الآلات وجمال الرسومات، رغم تركيزها على الضغط والمناصرة ضد العنف الأسري.

وفي حين تعبّر رسومات الطفل الممزق بين عنف والديه مع بعضهما أو اتجاهه عن جزء من معاناة الأطفال المعنّفين، أظهرت المشغولات اليدوية بألوانها الزاهية آمال الأطفال في غد أكثر أمنا وإشراقاً.

وما بين قدرات الأطفال التقنية وإبداعاتهم الفنية وسط أمواج متلاطمة من مآسي غزة، تكتمل مشاهد الإنجاز والنجاح، وهو إنجاز يتيقن النائب الإداري بمديرية تعليم خان يونس جنوب القطاع خالد ماضي أنه سينتقل من المحلية للمنافسة عالمياً خلال مدة وجيزة طالما وجدت حاضنات العلم والإبداع، وفق تقديره.

المصدر : الجزيرة