لماذا تُغرق الأمطار شوارع قطر والكويت؟.. العالم المصري عصام حجي يقدم أسبابا علمية

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

لماذا تُغرق الأمطار شوارع قطر والكويت؟.. العالم المصري عصام حجي يقدم أسبابا علمية

السيول ترتبط بعدة عوامل أهمها عمق المياه الجوفية وكميتها
السيول ترتبط بعدة عوامل أهمها عمق المياه الجوفية وكميتها
"غرقت في شبر مياه".. هكذا وصفت وسائل إعلام عربية ومنصات التواصل ما جرى في قطر والكويت من سيول وغرق للطرقات والأبنية بعد سويعات من هطول الأمطار الموسمية، وهو ما اعتبره كثيرون دليلا على سوء البنية التحتية.

وفي ظل توقع موجة أمطار غزيرة أخرى خلال الأيام المقبلة، كان لدى د. عصام حجي الباحث بمجال علوم الأرض والفضاء رأي آخر، وقد تزامن وجود العالِم المصري بالدوحة في وقت تحدثت فيه بعض وسائل الإعلام عن غرق العاصمة بعد ثلاث ساعات من هطول الأمطار، بينما وصف حجي الظاهرة بشيء آخر.

سيول "مُبهِرة"
تلك الظاهرة الفريدة التي يطلق عليها سكان الدوحة "أمطار الخير" يعتبرها آخرون دليلًا على هشاشة البنية التحتية، لكن "المبهر" في سيول قطر مصدرها والذي قال عنها د. حجي -الذي يرأس أيضًا الفريق البحثي الدولي المعني بدراسة تطور المياه والمناخ بشبه جزيرة قطر- إنها تأتي من الاتجاهين من الأعلى والأسفل فهي تجمع ما بين الأمطار وما تسببه من فيضان المياه الجوفية.

والمياه الجوفية تتغير مستوياتها بشكل دائم وسريع جدًا في قطر، مما يجعل من الصعب التكهن بقدرة الأمطار على إحداث سيول، فليست كمية الأمطار وحدها العامل المؤدي للسيول، ولكن أيضًا منسوب المياه الجوفية لحظة سقوط الأمطار.

وتتعدد مصادر السيول، فبينما معظمها يكون مصدره المطر، هناك أيضًا سيول مصدرها الفيضانات من البحار والأنهار أو حتى تسونامي، ولكن ما يدعو للاستغراب أن شبه جزيرة قطر عاشت كل هذه الأشكال المختلفة من الفيضانات خلال الألفي سنة الماضية.

الأمطار الغزيرة التي هبطت على قطر عطلت حركة المرور بالعديد من الشوارع (مواقع التواصل)

والحقيقة أن الأمطار المفاجئة أو السيول بالأساس ظاهرة طبيعية معروفة في الكثير من المناطق الصحراوية ومن بينها قطر والكويت والمناطق الشرقية بشبه الجزيرة العربية، وقد تعايشت معها الشعوب منذ آلاف السنين. لكن الجديد اليوم أن العمران والمدنية والتحضر غطت جميعها على العناصر البيئية التي ساعدت السكان قديمًا على فهم تلك الظواهر.

قلة الأمطار
ويقول العالِم المصري إن تجمع المياه أو السيول مرهون بعدة عناصر من بينها "كمية الأمطار" وهي هنا ليست بالكمية غير المعهودة التي تتسبب في سيول بهذا الحجم، لكن هناك ثلاثة عناصر تجعل من تلك الأمطار العادية سيولًا:

الأول، نوع التربة الموجودة في قطر، فبعض الأماكن طينية وجيرية تساعد على تجمع المياه. وكانت هذه الأماكن معروفة لدى السكان الأوائل لشبه الجزيرة قبل أن يغطيها العمران، وكانوا يتحاشون البناء فيها، ومن اللافت أن الأحياء القديمة في قطر والكويت لم تعان من مشاكل السيول.

الفريق العلمي أثناء المسح بتكنولوجيا الرادار لرصد عمق المياه الجوفية في منطقة وسط شبه جزيرة قطر (الجزيرة)

 

أما العنصر الثاني فيتمثل في عمق المياه الجوفية وكميتها، فهناك أماكن كثيرة ليست عميقة وبالتالي حين تسقط الأمطار تتدفق بشكل سريع جدًا تحت سطح الأرض نتيجة التشققات الموجودة بالحجر الجيري فترفع المياه الجوفية معها نحو السطح، وهذا ما يتسبب في مشهد الغرق الذي رأيناه في الطرقات.

والعنصر الثالث أن قلة الأمطار في حد ذاتها تكون السبب في السيول، فأغلب ضحايا السيول وأكبر مخاطرها تقع دومًا في المناطق الجافة التي تزورها الأمطار بشكل فجائي، وليست في الأماكن المطيرة المُعدّة طبيعيًا وبشريًا بمجارٍ مائية لاستقبال الأمطار في مواسمها.

وعند هطول أمطار فجائية في منطقة جافة غالبًا ما تُسد المصارف المائية بعوائق وأحجار ومخلفات تكون قد تراكمت في خلال فترات الجفاف الطويلة، فتجرفها السيول فتسد منظومة التصريف وتتسبب بغرق المنطقة، لذا يؤكد العالم المصري أن قلة هطول الأمطار أخطر من استمراريتها بشكل منتظم، وربما يكون ما حدث من حالات غرق للشوارع مع بداية موسم الشتاء الحالي نتيجة طبيعية لقلة الأمطار التي سقطت في قطر العام الماضي وكانت شبه منعدمة.

وبالطبع قلة الأمطار عامل أخطر لأنها تتسبب في انسداد الممرات المائية بعوائق بشرية أو طبيعية، وفي النهاية تصبح عملية تصريف المياه في المناطق العمرانية أصعب كلما كانت المناطق أكثر جفافًا، وفق د. حجي.

يُذكر أن نصف متر من الماء كاف تمامًا لتحريك أو جرف أكبر وأضخم سيارات الدفع الرباعي، وأن 30 سنتيمترا كافية لتحريك أي سيارة أصغر، وقطر تكثر فيها مناطق المنخفضات وهي أماكن تجمّع المياه وقت هطول الأمطار، وترفع معها المياه الجوفية -وهي كثيرة- إلى السطح فتبدو وكأنها سيول، والحقيقة أن المياه الجوفية سبب تكوين تلك المنخفضات.

المياه الجوفية
بالانتقال إلى الجانب المبهر في سيول قطر، فإن خارطة المياه الجوفية في شبه الجزيرة تكاد تكون متغيرة بشكل سريع جدًا، وذلك لأن بيئة قطر بشكل عام فريدة ومميزة جدًا وشديدة التغير والتعقيد، بمعنى أن مناسيب المياه الجوفية ترتفع في أماكن وتنخفض في أخرى بشكل سريع إذا ما قورنت بمنظومة المياه الجوفية في مناطق أخرى.

ويقول د. حجي إن المياه الجوفية في قطر تصل في بعض الأماكن إلى عمق 15 مترًا وفي مناطق أخرى تكون بعمق متر أو مترين، ومع نزول الأمطار تحدث السيول والفيضان، ويكون متغير المنسوب أيضًا، ليس فقط في كم الأمطار لكن أيضًا في حركة تغيرات المياه الجوفية.

 

رئيس الفريق العلمي الدكتور عصام حجي أثناء إحدى عمليات المسح لرصد عمق المياه الجوفية بصحراء قطر (الجزيرة)

بالتالي يجب أن نعي تمامًا أن المياه في قطر ليست فقط قضية "شُرب" ولكن هي أيضًا لها "دورها في التوازن البيئي". كما أنها قضية المياه بقلِّتها، وقلة الأمطار الموجودة، وبالتغيرات في مناسيب وحركة المياه الجوفية وتغير شكل السواحل، كلها جزء من تاريخ وحاضر ومستقبل التوزان البيئي لدولة قطر بالكامل، وأي خلل يحدث لتلك المنظومة يتسبب في عدد كبير من الأضرار التي نراها سواء لأسباب طبيعية أو بسبب تدخل العنصر البشري، فالاستخدام الشديد للمياه الجوفية أو تلوثها يساعد على تغيير منظومة الصرف الطبيعي الموجودة.

ويقوم الفريق البحثي الذي يرأسه العالم المصري بدراسة المياه الجوفية أيضًا من منظور أهميتها في تكامل المنظومة البيئية في شبه جزيرة قطر، بمعنى أن حركة المياه الجوفية تتسبب في هبوط وصعود للسطح والتربة مما يؤدي لتشققات في السطح وبالتالي تشقق في الأبنية وزيادة مساميتها لدخول المياه فيها، وهذا بدوره يسبب تآكل البنية التحتية. فلابد من رصد هذه التحركات بالأقمار الصناعية التي تستخدم تكنولوجيا المسح الراداري. كما تؤثر الحركة الأفقية للمياه الجوفية على قابلية التربة للتصحر أو للزراعة.

وعي بيئي
معظم ساكني قطر ومناطق أخرى في شرق الجزيرة العربية مثل الكويت الآن قد يرون هذه الظواهر على أن هناك خللًا في البنية التحتية، ولم يدركوا أنه "تحدي الطبيعة" الذي يحتاج لفهم تلك الظواهر الطبيعية، بحيث يمكن التقليل من مخاطرها والاستعداد لها، وهذا ما تبنته بحثيًا مؤسسة قطر بالتعاون مع عدد كبير من الجامعات الأميركية والأوروبية، حيث تقوم بدراسة هذه الظواهر استشرافًا للتغيرات والمخاطر البيئية التي يمكن أن تحصل في المستقبل. وهناك أيضا تعاون مع معهد الأبحاث بالكويت في تطوير تقنيات تصوير المياه الجوفية والذي سيسهم في فهم جزء من هذه الظواهر.

وبناء عليه، يؤكد د. حجي ضرورة نشر وعي بيئي عام بأن حالة الآثار المدمرة لتلك الكوارث الطبيعة لا تحدث مصادفة أبدًا، وإنما بسبب عدم استعداد وعدم وجود وعي مجتمعي بتلك المخاطر، فبعض الناس يستسهلون إلقاء المخلفات في طرق المجاري المائية الجافة كمخلفات البناء وإطارات السيارات، وهي مواد تدفعها مياه الأمطار وتجرفها مع كل المخلفات الخفيفة فتتسبب في انسداد المصارف، ولا يغرنك حجم المخلفات فمهما كانت صغيرة فهي قادرة على أن تسد مسالك الصرف، وقطعة قطن صغيرة أو بعض من شعر الرأس المتساقط يكفي جدًا لسد أكبر حوض استحمام رغم فارق الحجم.

أمطار غزيرة وسيول بالكويت (مواقع التواصل)

ليست رفاهية
ما يؤكد عليه د. حجي أن تلك الأبحاث ليست نوعًا من الرفاهية، وإنما الحقيقة أن دراسة تلك الظواهر يساعدنا على الوقاية من مخاطرها، مشددًا على أن تكلفة هذه الدراسات تمثل واحدًا على ألف مما ينفق في التعامل مع أضرار أو آثار هذه الظواهر، كما يجب أن ندرك تمامًا أن المخاطر الطبيعية التي نراها ليس بسبب حجمها بقدر ما هو قلة الدراسات المحاطة بها.

وخرائط المياه الجوفية المراجعة لشبه جزيرة قطر بالكامل -والتي ستصدر قريبًا- ستنشر في مجلة جورنال أوف هيدرولوجي (المجلة العلمية المتخصصة في الهيدروجولوجيا) وهي دولية من أهم الإصدارات في مجال علوم المياه، وذلك في إطار بحث تعاون بين جامعة جنوب كاليفورنيا ومؤسسة قطر، وسيصدر هذا البحث الذي يديره العالم المصري في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

صورة جوية لمسارات مياه السيول في قطر (الجزيرة)

ويلخص د. حجي كل ما سبق في أن دراسة المنخفضات والمياه الجوفية والوعي العام تعتبر من الأولويات في الدراسات البيئة، ويجب مخاطبة المواطنين أنه في حالة استشراف أمطار كبيرة فعليهم القيام بأنفسهم بإزالة كل المخلفات التي يمكن أن يجرفها المطر وتسد مصارف المياه.

كما يجب أن يمتد الوعي العام لعدم الاستهتار بالأمر، وفي الوقت ذاته لا ينظرون لهذه السيول على أنها كارثية فهي جزء من طبيعة المنطقة وموجودة منذ آلاف السنين، لكننا فقط فقدنا الوعي البيئي في التعامل مع هذه الظواهر ولا بد من استرداده، والأهم هو الوقاية وعدم الركون إلى فكرة أنها ظواهر نادرة الحدوث فلا داعي لدراستها. لا بد من استرداد هذا الوعي عوضا عن توجيه الاتهام للمسؤولين كما صار مع الأسف بإقالة وزير المرافق في دولة الكويت الشقيقة.
مستوى المياه الجوفية في قطر فوق سطح البحر ووجود أماكن متغيرة لمستوى المياه الجوفية بسبب الفوالق الأرضية (الجزيرة)

وقطر تحتاج دراسات بيئية كثيرة لأن المنظومة البيئية فيها غير تقليدية وفريدة ونادرة جدًا، وبالتالي يجب أن تكون تلك الدراسات محلية جدًا، ولا يمكن أن نستنسخ دراسات من مناطق أخرى، وهذا ما تفعله الآن مؤسسة قطر بالتعاون مع جهات علمية وبحثية محلية ودولية.

المصدر : الجزيرة