كيف تتحكم في الوقت الذي تقضيه على الإنترنت؟

إدمان الإنترنت زاد مع انتشار الهواتف الذكية التي أصبحت بوابتنا للولوج إلى العالم الافتراضي (بكسابي)
إدمان الإنترنت زاد مع انتشار الهواتف الذكية التي أصبحت بوابتنا للولوج إلى العالم الافتراضي (بكسابي)

يحدّ إهدار الكثير من الوقت على الإنترنت هذه الأيام من إنتاجيتنا ويتعارض مع حياتنا العملية، وهذا يحثنا على البحث عن سبل ناجعة للتحكم في الوقت الذي نقضيه في تصفح هذه الشبكة الرقمية.
 
وتطرق الكاتب إريك باركر في تقريره المنشور على موقع "لادرز" الأميركي، إلى أفضل الطرق التي يمكننا الالتزام بها للتحكم في وقت تصفحنا للإنترنت، فضلا عن الضغط الإضافي الذي يتسبب به تضييعنا للوقت بهذا الشكل، لا سيما أن الهاتف الذكي بات بوابتنا للولوج إلى العالم الافتراضي في أي وقت.
 
وأورد الكاتب دراسة أجراها الباحث في جامعة "ييل" نيكولاس كريستاكيس والباحثة بجامعة كاليفورنيا هولي شاكيا، التي أثبتت أن استخدام موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي له تأثير سلبي على صحة الإنسان.

كما تبين أن الأطفال والمراهقين الذين ولدوا في عصر تهيمن عليه الشاشات والتكنولوجيات يعانون أكثر من غيرهم، حيث يقضون ما يزيد عن تسع ساعات يوميا في مشاهدة المحتوى الرقمي، وهو ما يفسر ارتفاع مستويات الاكتئاب والانتحار في صفوف هذه الفئة من الشباب.
 
وتحدث الكاتب عن زميله أستاذ علوم الحاسوب بجامعة "جورج تاون" كال نيوبورت الذي يضع مقاربات حول نظرية البساطة الرقمية التي تقضي بتقليل وقت استخدام الأجهزة التقنية والتحكم بطريقة استعمالنا لها قبل أن ينتهي بها المطاف إلى الاستحواذ على تفكيرنا.

الأطفال يقضون أكثر من تسع ساعات يوميا في مشاهدة المحتوى الرقمي (غيتي)

بيان البساطة الرقمية
أصبح الوقت الذي نقضيه في مشاهدة المحتوى الرقمي وتصفح الإنترنت من المسلمات، حيث يرى كال أننا نواجه صعوبة في التوفيق بين الاستفادة من المزايا التي توفرها أجهزتنا الرقمية وبين الكلفة الناتجة عن استخدامها. ومن المرجح أن مواقع التواصل الاجتماعي تدفعنا للشعور بالسعادة، لكن اللقاء الفعلي مع الأشخاص من شأنه جعلنا أكثر سعادة.
 
ووفقا لما ورد في كتاب "البساطة الرقمية.. اختيار حياة مركزة في عالم صاخب"، يرى الأشخاص الذين يكتفون بالحد الأدنى من استخدام التقنيات الحديثة أنها مجرد أدوات يمكن الاستفادة منها لدعم الأمور التي يقدرونها ويولونها اهتماما كبيرا، لكنهم لا يعتبرونها مصدرا للقيمة بصفة مستقلة، وهم يعتمدون طرقا انتقائية في استخدامها.
 
وسلط الكاتب الضوء على أحد معتقداتنا الخاطئة التي تقضي بأن الإفراط في استخدام التقنية لا تصاحبه أي عواقب. لكننا في المقابل نتساءل دائما عن سبب عجزنا عن تخصيص وقت للقاء شخص لم نقابله منذ زمن بعيد، أو شعورنا بأننا لا نملك وقتا كافيا للقيام بشؤوننا الخاصة. والإجابة عن هذا السؤال تتمثل في أننا دائمو الانشغال بأجهزتنا.
 
التخلي عن التقنية 30 يوما
أفاد الكاتب بأنه بإمكاننا تنظيم وقتنا على الإنترنت عبر اتباع قاعدة التخلي عن الأجهزة التي نستخدمها بصفة طوعية لمدة شهر كامل، حتى تتاح لنا فرصة اكتشاف الأشياء التي تُمتعنا ولا تتضمن أي شاشة، وتشعرنا بأننا بشر لا قردة مدربة على النقر على الشاشات باستمرار.
 
وقد ورد في كتاب نيوبورت أن هذا الأسلوب قادر على إعادة ضبط نمط حياتك الرقمية عبر التخلي عن الأدوات التي من شأنها تشتيت انتباهك والعادات القهرية المتراكمة مع الوقت، واستبدالها بسلوكيات حسنة من شأنها دعم القيم التي تدعو إليها عوضا عن تحطيمها.

ويدعو المؤلف في كتابه إلى التخلي عن الأجهزة التي نستخدمها اختياريا ونحافظ على تلك التي نستخدمها في حياتنا المهنية أو الشخصية. وتعني هذه الخطوة التوقف كليا عن استخدام الأجهزة ما لم يكن هناك داع عملي لاستخدامها، مثل الإبقاء على جهاز المايكرويف مقابل التخلي عن مواقع التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو.
 
ويرى كاتب التقرير أن بإمكاننا خرق قانون التخلي عن الأجهزة في بعض الحالات الاستثنائية، مثل مشاهدة بعض الأفلام على موقع نتفليكس إذا وُجد شخص آخر برفقتك. ويمكنك أيضا الاستماع إلى البث الصوتي إذا كنت تنتقل من مكان إلى آخر.

يدعو كال نيوبورت في كتابه إلى التخلي عن الأجهزة الذكية لمدة ثلاثين يوما ما لم يكن هناك داع عملي لاستخدامها (الأناضول)

معالجة الإدمان التقني وممارسة أنشطة ممتعة
أوضح باركر أن البشر كانوا يعيشون بسعادة قبل اختراع الأجهزة الحديثة والإنترنت. وتمثل فترة التقليل من الاعتماد على الأجهزة التقنية والشاشات فرصة سانحة للقطع مع العادات السيئة واكتشاف أمور ممتعة، دون الخوف من انتهاء شحنها مثل الهواتف الذكية.
 
لإنجاح هذا التوجه، علينا التعامل مع هذا العلاج على أنه نظام صحي عوضا عن اعتباره بمثابة برنامج للتخلص من السموم. وفي هذا الإطار، يجب عليك ملء الفراغ الرقمي بأنشطة جديدة مثل قراءة الكتب أو ممارسة هواية جديدة أو التدرب على القيام بأمر جديد مثل الطبخ أو ممارسة رياضة لم يسبق لك ممارستها من قبل.

كما ينصح المؤلف كال نيوبورت بوضع هدف والعمل على تحقيقه خلال الشهر الذي ستمتنع خلاله عن استخدام الأجهزة بوتيرة مكثفة، مثل تعلم أغنيات جديدة ومحاولة تأديتها على الغيتار خلال حفلة موسيقية في نهاية الشهر. وتمنحك هذه الإستراتيجية خطة لاتباعها وأجلا للالتزام به، مما يشجعك على بذل جهد مضاعف لتجنب الإحراج خلال هذا الحفل.

يمكن ملء الفراغ الرقمي بأنشطة جديدة مثل قراءة الكتب أو ممارسة هواية جديدة أو ممارسة الرياضة (رويترز)

إدارة التقنية
اعتمد كاتب المقال طائفة الأميش كمثال ناجح لوضع حد فاصل بين استخدام التقنية لتحقيق الفائدة وبين الإدمان عليها. وتمتنع هذه الطائفة عن قيادة السيارات مقابل استغلال الجرارات الفلاحية في القيام بالمهام اليومية، كما أنهم لا يمتلكون هواتف خاصة بهم، وإنما يكتفون باستعمال الهاتف العمومي.
 
ودعا الكاتب إلى التقيد ببعض الشروط إذا رغبنا في إعادة التقنية إلى حياتنا، مثل تبين الفائدة من استخدامها أو ربط الجهاز بإجراءات تشغيل قياسية تقيد استخدامه والوقت المخصص لذلك.
 
وأفاد بأنه يمكننا دائما تحديد جدول زمني لمعرفة الأوقات التي نعتمدها في العادة لممارسة بعض الأنشطة التي لا نستمتع عند ممارستها كثيرا، على غرار مشاهدة مقاطع الفيديو على الإنترنت أو تصفح الويب، حتى يتسنى لنا مغادرة المنزل في هذه الأوقات.

الكاتب دعا للتقيد ببعض الشروط إذا رغبنا في إعادة التقنية إلى حياتنا، مثل ربط الجهاز بإجراءات تشغيل قياسية تقيد استخدامه والوقت المخصص لذلك (مواقع التواصل)

اعتماد وضع "عدم الإزعاج" كمعيار جديد
ينصح باركر باعتماد وضع "عدم الإزعاج" في الهاتف الذكي بشكل دائم، أو الذهاب إلى إعدادات هاتفك واختيار بعض الأرقام والأشخاص الذين يمكنهم الاتصال بك طوال الوقت، فضلا عن تخصيص وقت للإجابة على الرسائل النصية دفعة واحدة عوضا عن المراوحة بين نشاطاتك الأخرى والإجابة على كل رسالة على حدة، وهو ما من شأنه تشتيت انتباهك وإفقادك تركيزك.
 
وأورد كاتب المقال أنه بإمكاننا اتخاذ قرار أكثر جرأة وترك هواتفنا الذكية داخل درج السيارة إذا ما اتجهنا إلى مكان ما، وهو ما يتيح لنا وقتا كافيا للتواصل مع أصدقائنا الذين نقضي وقتنا معهم. كما يمكننا دائما تقليل الإشعارات التي تردنا على أجهزتنا الرقمية وجعلها تقتصر فقط على إشعارات الرسائل النصية.
 
الخلاصة
من شأن هذا التوجه القائم على الحد من التواصل الاجتماعي الرقمي إراحتنا من العلاقات والتفاعلات السطحية، وهو ما يعني أننا سنحظى بوقت أكبر للتركيز على المحادثات العميقة وتحسين علاقاتنا المهمة، ويمكن لنا دائما تحديد وقت لهذه المحادثات كل يوم وفقا لجدول أعمالنا.
 
وخلص الكاتب إلى اعتبار أن امتلاكنا لعلاقات قائمة على التحدث واللقاء بشكل منتظم أشد أهمية وأكثر عمقا من علاقات سطحية مبنية على التعليقات والتفاعلات مع منشورات الآخرين. لذلك، يتوجب علينا بعث رسائل بخط اليد والتحدث عبر الهاتف ولقاء الأشخاص المقربين منا وإبداء الإعجاب بشخصياتهم عوضا عن منشوراتهم.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

أطلقت دعوات عديدة على الإنترنت تدعو المستخدمين إلى حذف حساباتهم في الشبكة الاجتماعية بعد فضيحة تسرب بيانات ملايين المستخدمين، لكن الرغبة في حذف الحساب شيء وتنفيذه شيء آخر.

22/3/2018

اكتشف فريق من الباحثين مع أستاذ الأشعة في كوريا الجنوبية هيونغ سوك سيو، تغيرات كيميائية في أدمغة المراهقين الذين يستخدمون الإنترنت أو الهواتف الذكية بصورة إدمانية.

4/12/2017
المزيد من تكنولوجيا
الأكثر قراءة