كروية الأرض بين الحقيقة والمؤامرة

الأرض كما تبدو بعدسة كاميرا تيم بيك أحد رواد المحطة الفضائية الدولية التقطها في يناير/كانون الثاني 2016 (رويترز)
الأرض كما تبدو بعدسة كاميرا تيم بيك أحد رواد المحطة الفضائية الدولية التقطها في يناير/كانون الثاني 2016 (رويترز)

الركراكي دكداك*

قديما قبل غزو الفضاء، كان النقاش محتدما حول شكل الأرض، حيث كان الاعتقاد السائد هو أن الأرض مسطحة ذات أطراف لا متناهية، وأنها هي محور الكون الذي يدور حوله كل شيء، هذا النقاش عاد للوجود حتى بعد غزو الفضاء في السنوات الأخيرة، وصار كثير من الناس يجادلون في كروية الأرض بدعوى أنها مؤامرة خارجية، وأن الأرض مسطحة كما ادعى ذلك الأسلاف الأولون. إذا جزمنا بأن الأرض منبسطة، فكيف استطاع الأولون الاعتماد على النجوم في الإبحار؟ وكيف يؤرخ بتتبع حركة القمر؟ كيف للشمس أن تطلع من المشرق بعد أن اتجهت نحو طرف غير متناهٍ في الغرب؟

على مر القرون، جال الإنسان في أرجاء الأرض، ولاحظ أمورا أثارت انتباهه وجعلته يردد تساؤلات بشأنها، من بينها ما تمكن من تفسيره فاستخدمه في حياته اليومية، ومنها ما عجز عن تفسيره فظل محل تساؤل وحيرة.. هل الأرض حقا منبسطة؟

هذا السؤال يحتاج منا إلى استخدام جزء من معارفنا ومما توصل إليه العلم حديثا، خصوصا ما هو مرتبط بعلم المنطق، نعم علم المنطق الرياضي، السؤال الأول الذي يطرح نفسه: إذا كانت الأرض منبسطة ولها طرف غير منتاهٍ، فكيف للشمس أن تعود من مكان غير متناهٍ لتشرق من مكان متناهٍ آخر في يوم واحد، وجميعنا يمكنه الجزم بأن سرعة حركة الشمس بالنسبة لملاحظ أرضي هي سرعة صغيرة لا تكفي لتحقق هاته الفرضية?. يمكن افتراض أن كل شمس تشرق وتغيب مرة واحدة، وفي كل يوم تولد شمس جديدة، لكن إذا جزمنا بصحة هاته الفرضية، فهل تبقى الأرض مركز الكون كما أقر الأولون؟

ماذا عن القمر؟ هل يولد قمر في كل شهر؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف لهاته الأقمار أن تظهر وتختفي في نفس الفترة؟ دون أن يختلف قمر عن الذي يليه حجما وإضاءة وشكلا؟ كيف لنفس المجموعات من النجوم أن تعود للظهور في كل مرة ما دامت تتجه نحو اللا نهاية؟ أسئلة عديدة يطرحها العقل، حتى الآن لم نستخدم علم الفيزياء، بل اقتصرنا فقط على استخدام منطق رياضي محض.

الآن لنتتبع مبدأ كروية الأرض من خلال ملاحظات أرضية فقط، أغلبنا سافر برا في طريق منبسطة وطويلة أو بحرا في يوم خال من السحب والضباب، أثناء سفرنا هذا يمكننا التأكد من كروية الأرض، فعدما تكون بعيدا وأنت تسير بواسطة سيارة على طريق طويل يوجد جبل في نهايته، فحتما ستبدأ برؤية قمة الجبل أولا، ثم تبدأ الصورة بالكبر حتى ترى الجبل كاملا، لو كانت الأرض منبسطة فبمجرد توفر شروط الرؤية الواضحة سترى الجبل كاملا دفعة واحدة، فمبدأ الكروية هو ما يجعلنا نرى أعلى قمة الجبل أولا، نفس الأمر بالنسبة للسفن عندما تقترب من منارة طويلة على الساحل، وهذا ما أوحى إلى البحارة بأن يجعلوا المراقب يصعد لأعلى مكان على السفينة ليرصد العدو أو الساحل من على مسافة طويلة، وإلا لكان كافيا المراقبة من على سطح السفينة إذا كانت الأرض مبسوطة. مع العلم أن العين البشرية يمكنها الرؤية على مسافة 47 كلم تقريبا أي حوالي 30 ميلا.

حركة القمر ومنازله دليل منطقي آخر على كروية الأرض (رويترز)

نعود للنجوم، لو كانت الأرض منبسطة لما استطاع الإنسان الاعتماد عليها، لأنها لن تعود لمكانها، هذا بالإضافة إلى الحسابات التي اعتمدت على مواقع النجوم لتحديد محيط وشعاع الأرض فيما بعد، ورؤية النجوم نفسها تورد تساؤلا: لماذا لا نراها تقترب أو تبتعد ما دامت الأرض منبسطة؟ لماذا تظهر وتختفي فجأة؟ لولا كروية الأرض لرأيناها تبتعد ويتغير حجمها إلى أن تختفي، مسألة أخرى تفرض تساؤلا مهما، إذا كانت الأرض منبسطة فهل يجب علينا رؤية الشمس تتحرك في اتجاه الغرب دون الاقتراب من سطح الأرض أو سطح البحر، إذ عليها أن تستمر في ارتفاع واحد حتى تختفي بفعل البعد الكبير عنا، وهذا يخالف ما نراه يوميا.

إذا نظرنا من زاوية الفيزياء، فهذا العلم وخصوصا فيزياء نيوتن ربط استقرار القمر والكواكب والشمس في مجموعة واحدة بمبدأ الدوران، فلولا الدوران لجذب كل جسم في الفضاء جسما آخر عشوائيا، فهذا الدوران له سرعة شبه ثابتة مما يجعل للقمر فترة معينة يظهر ويختفي فيها، نفس الأمر بالنسبة للشمس ولفصول السنة وغيرها، فالدوران هو ما يولد قوة تحاول دفع الكواكب للخارج بينما تنجذب بعضها نحو بعض، وهذا ما يجعل المجموعة في توازن دقيق، الحقائق العلمية سببت الكثير من المتاعب للكثيرين، بل أفقدتهم حياتهم، فكوبرنيكوس الذي كشف كروية الأرض تعرض للإعدام من طرف الكنيسة التي جعلت من الأرض مركزا للكون حتى جاء نيوتن الذي أعاد تأكيد ما جاء به سلفه، لكن هاته المرة بالدليل والبرهان والحسابات الرياضية المعقدة.

لا داعي للغوص في علم الفيزياء الذي يستعصي فهمه بسهولة، ولا علم البصريات ولا علم التجاذب الكوني ولا حتى علم الكوانتيك الذي وضع أسسا علمية جديدة أكثر تعقيدا، يكفينا أن نبسط بصرنا في الطبيعة والكون حولنا لنتأكد من كروية الأرض دون الانجرار وراء نظرية المؤامرة التي تعد في حد ذاتها مؤامرة، مؤامرة على العلم والتعلم وطرح الأسئلة المستفزة.

في النهاية أدعوكم أعزائي القراء إلى إعادة النظر في الكثير مما يقال، وتعريضه للتساؤل المنطقي، والتأكد أن كل فرضية علمية تبقى نسبية لا مطلقة ما دامت مجردة من ضوابط وشروط.
_____________
* باحث

المصدر : الجزيرة