هل تنتهي طاقة الشمس قريباً؟

تبلغ حرارة باطن الشمس أكثر من 15 مليون درجة في حين تبلغ حرارة سطحها ستة آلاف درجة (الأوروبية)
تبلغ حرارة باطن الشمس أكثر من 15 مليون درجة في حين تبلغ حرارة سطحها ستة آلاف درجة (الأوروبية)

*هاني الضليع

في أحد أيام المستقبل غير البعيد، بحسب المقاييس الكونية، سوف تتوقف الشمس عن إرسال أشعتها وحرارتها، فوقودها الذي تحرقه سوف ينتهي؛ فقد عاشت الشمس حتى اليوم بحسب تقديراتنا الفلكية مدة 4600 مليون سنة بسبب وقودها من عنصر الهيدروجين الأكثر وفرة في الكون، فهو يمثل نحو ثلاثة أرباع مادة الكون المعروفة من نجوم وسدم وغازات بين نجمية، إذ تصنف ذرته كأصغر ذرة في الطبيعة وأسهلها دمجاً مع مثيلاتها، لكن تحت ظروف شديدة التعقيد، وبسبب هذه الطاقة تزدهر الحياة على الكرة الأرضية، الكوكب الوحيد الآهل بالحياة حتى الآن.

وتفوق الشمس الأرض كتلة بنحو مليون ونصف مليون مرة، وتساوي 2×10^30 كيلوغراماً (2 وأمامه 30 صفراً)، وهي كرة من البلازما، الحالة الرابعة للمادة، التي تختلط فيها الإلكترونات تحت درجة حرارة مرتفعة بأنوية الهيدروجين دون أن تدور حولها.

وبسبب كتلتها الهائلة هذه فإنها تحدث ضغطاً شديداً يرفع كثافة الهيدروجين في باطنها إلى 150 مرة ككثافة الماء، ولترتفع بذلك درجة حرارتها إلى أكثر من 15 مليون درجة، هي حرارة كافية لدمج أنوية ذرات الهيدروجين ببعضها بما يعرف بالاندماج النووي الهيدروجيني الذي يخلّف طاقة نووية عظيمة، تعدّ الفرن الأعظم في المجموعة الشمسية الذي تندمج فيه نوى الهيدروجين، وعلى غرار فكرتها تمت صناعة القنبلة الهيدروجينية الاندماجية التي فاقت بطاقتها التدميرية طاقة القنبلة النووية الانشطارية التي شطرت نواة ذرة اليورانيوم الثقيلة إلى أنوية أقل كتلة.

ومع ذلك، فإن الشمس لا تزال نجماً صغيراً في مجرة درب التبانة البالغ تعداد نجومها نحو مئتي مليار نجم، وذلك مقارنة بما يفوقها من نجوم ذات كتل كبيرة وألوان مختلفة.

فمن المعلوم في الفيزياء الفلكية أن لون النجم يعكس درجة حرارة سطحه، ويعكس كذلك حجمه التقريبي، فأصغر النجوم هي النجوم الحمراء التي لا تزيد درجة حرارة سطوحها على ثلاثة آلاف درجة، بقطر يصل إلى نصف قطر الشمس أو أكبر قليلاً، في حين ترتفع درجات حرارة سطوح النجوم البرتقالية إلى أربعة آلاف، والصفراء إلى ستة آلاف، والبيضاء إلى عشرة آلاف، ثم أخيراً الزرقاء إلى أكثر من 25 ألف درجة، وهي أكبر نجوم الطبيعة حجماً وتصنف نجوماً عمالقة.

لون النجم يعكس درجة حرارة سطحه؛ فأقلها حرارة النجوم الحمراء وأكثرها حرارة النجوم الزرقاء (رويترز)

غير أنه توجد في المجرة نجوم عمالقة من نوع آخر استنفدت أكثر من 90% من وقودها الهيدروجيني فتضخمت وتألقت بلون أحمر، يسميها الفلكيون العمالقة الحمر، ومن أمثلتها نجم الدبران في برج الثور، ونجم يد الجوزاء في كوكبة الجبار، ونجم قلب العقرب في برج العقرب.

وتُعرف كمية الطاقة التي تصل الأرض من الشمس في كل ثانية على متر مربع واحد بمصطلح الثابت الشمسي، ويعادل (1367 واط/م^2) وهي كمية ضئيلة جداً مقارنة بما تشعه الشمس من أنواع مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي والجسيمات المشحونة والرياح الشمسية والكتل الإكليلية المقذوفة التي تغمر المجموعة الشمسية وما وراءها، وحتى نهاية حدّها التي تعرف بنهاية المدّ المغناطيسي الشمسي على بعد مئة وحدة فلكية، (الوحدة الفلكية هي المسافة بين الأرض والشمس وتعادل 150 مليون كيلومتر)، وهو الحد الذي بلغته الآن مركبة الفضاء فوياجر التي غادرت الأرض عام 1979م.

وفي الحقيقة، فإن الطاقة الشمسية التي تصل الأرض في ساعة واحدة تكفي أهل الأرض مدة سنة كاملة لو أحسنوا استغلالها؛ ففي كل ثانية تصدر الشمس العظيمة طاقة قدرها أربعمئة تريليون تريليون جولاً (4 وأمامها 26 صفراً) تتبدد جميعاً في الفضاء إلا من الجزء الضئيل الذي تستفيد منه الأرض، ومع ذلك فإن مقدار هذه الطاقة الواصلة إلى الأرض يتغير بنسبة 7% وفقاً لبعد الأرض منها صيفاً (الأوج) وقربها منها شتاءً (الحضيض)، على بعد 147 إلى 152 مليون كيلومتر.

الفرق في قطري الشمس صيفاً في الأوج وشتاء في الحضيض يعادل 3.33% (الجزيرة)

ولكن، كم ستعيش الشمس؟ وهل ستظل تعطينا من طاقتها المجانية؟ وأيهما سيفنى أولاً: الشمس أم الأرض؟

للإجابة عن هذه التساؤلات استخدم علماء الفيزياء الفلكية معادلة الطاقة والكتلة الشهيرة التي وضعها آينشتاين عام 1905، والتي كانت مفتاح صنع القنبلة الذرية الأولى عام 1935، فحسبوا العمر التقريبي المتبقي للشمس بعد معرفة كتلتها الحالية وكمية الهيدروجين المتبقية فيها، وكانت النتيجة أنها ستعيش نحو خمسة مليارات سنة أخرى. وهذه المدة إضافة إلى ما عاشته الشمس سابقاً يعادل نحو عشرة مليارات سنة، وهو متوسط أعمار النجوم ذات الكتلة القريبة من كتلة الشمس، ذلك أن النجوم العملاقة تستهلك وقودها في بضع مئات من الملايين من السنين، وربما في مليار أو ملياري سنة على الأكثر.

وفي المقابل، فإن النجوم القزمة والصغيرة يطول بها العمر عشرات المليارات من السنين ليصل عمر بعضها إلى مئة مليار أو يزيد من السنين. وبالطبع لا يوجد أي نجم عاش هذه المدة، إذ عمر الكون كله لا يزيد على 13.8 مليار سنة منذ اللحظة الأولى التي خلق فيها الكون، والمعروفة بالانفجار العظيم وإلى يومنا هذا.

الشمس أقرب نجوم السماء وبسبب طاقتها تصلح الحياة على الأرض (الجزيرة)

أما نهاية الشمس، فحين لا يبقى من وقودها الهيدروجيني سوى 10% أو أقل، فإنها ستبدأ رحلة العمالقة، فتبدأ بحرق الهيليوم الذي نشأ عن دمج نوى ذرات الهيدروجين، لكن ذلك لن يطول كثيراً فينتهي في بضع ملايين من السنين ليتحول إلى كربون لن تستطيع الشمس أن تدمج أنويته إلى نوى أثقل، فتموت حينئذ على شكل نجم كربوني يتضخم أولاً ليتخذ شكل عملاق أحمر يبتلع كوكبي عطارد والزهرة، ويمتد ضخامة ليبلغ مشارف الكرة الأرضية فتتبخر كل مياه البحار، وربما ذابت صخور الأرض وجبالها بسبب الحرارة الشديدة التي ستعصف بها من الشمس، وربما دفعت تلك التغيرات بالقمر أن يهرب بعيداً أو أن يسقط على الأرض فيتحطم قطعاً تدك الأرض دكاً، أو أن يأتي هذا الدك من حزام الكويكبات الذي ستنتثر كويكباته في المجموعة الشمسية بسبب تغير قوى الجذب بين الشمس وبقية أعضاء المجموعة الشمسية الدائرة حولها.

لكن المؤكد هو أن أهل الأرض لن يكونوا موجودين عليها بعد مليار سنة من الآن، فإما أن يرحلوا لاستيطان أحد أقمار المجموعة الشمسية البعيدة، أو أن يكونوا طوروا تكنولوجيا تنقلهم إلى كوكب يدور حول نجم آخر في المجرة.. وربما لا يحدث هذا ولا ذاك، بل تنتهي الحياة كاملة قبل ذلك بكثير، فتطوى قصة الإنسانية في المجرة إلى ما شاء الله، ثم يُبعثون. 

________________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

المصدر : الجزيرة