الهواء مصدر واعد لمياه الشرب

47% من سكان العالم سيجدون صعوبة في التزود بمياه الشرب بحلول العام 2030، وفقا لتوقعات الأمم المتحدة (رويترز-أرشيف)
47% من سكان العالم سيجدون صعوبة في التزود بمياه الشرب بحلول العام 2030، وفقا لتوقعات الأمم المتحدة (رويترز-أرشيف)

الصغير الغربي*

مع تزايد الحاجة إلى المياه في السنوات الأخيرة، أصبحت مسألة البحث عن مصادر جديدة يمكن أن تحل مشكلة المياه في المستقبل -خاصة في المناطق الجافة- في غاية الأهمية. وقد زاد الاهتمام في السنوات الأخيرة بموضوع استخراج الماء من الهواء كإحدى الوسائل التي بدأت في الانتشار بعد تطوير تقنيات مختلفة لهذا الغرض.
 
فهل يمكن الاعتماد مستقبلا على رطوبة الهواء لتوفير المياه الصالحة للاستهلاك لفائدة المناطق القاحلة؟

حسب توقعات الأمم المتحدة ستبلغ نسبة سكان العالم الذين يقطنون مناطق تعاني من صعوبات في التزود بالماء الصالح للشرب نحو 47% بحلول العام 2030.

ومع التزايد الكبير في حجم استهلاك الماء واستنزاف الموارد التقليدية من مياه جوفية وأنهار وسيول، لجأ الإنسان إلى البحث عن مصادر جديدة لهذا العنصر الأساسي للحياة، أهمها تحلية مياه البحر التي تتميز بكلفتها العالية وحاجتها إلى كميات كبيرة من الطاقة، فضلا عن كونها لا تمثل حلا مناسبا للمناطق البعيدة عن البحار والمحيطات.

لذلك ظهر اهتمام كبير من الباحثين والمهتمين بشؤون المياه بكيفية استخراج الماء من الهواء. لكن هل يوجد في الهواء ما يكفي من الماء للتعويل عليه كمصدر مستقبلي للماء؟

كميات الماء في الهواء
يحتوي الهواء على نسبة صغيرة من بخار الماء يتراوح وزنها بين 12 و17 غراما في المتر المكعب الواحد عندما تكون درجة الحرارة في حدود 20 درجة مئوية. لكن كمية الماء في الغلاف الجوي كبيرة جدا وتبلغ قرابة 12.9 ألف كلم3، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الاستهلاك السنوي العالمي الذي يفوق 4000 كلم3.

ويحتوي الكيلومتر المكعب من الهواء على كمية من المياه تعادل تلك الموجودة في نهر بطول كيلومتر واحد وعرض 15 مترا وبعمق متر واحد.

غير أن الاستفادة من الماء -خاصة في المناطق القاحلة والصحراوية- تحتاج إلى تطوير تقنيات وطرق مختلفة لتحويل الماء من حالته الغازية إلى السائلة والاستفادة منه. ولا تخلو العقود الماضية من محاولات لابتكار أنظمة خاصة لاستخراج الماء من الهواء.

وتمثل شبكة اصطياد الضباب التي بدأ استخدامها منذ العام 1989 في تشيلي ثم في بلدان أخرى من بينها المغرب مؤخرا، أحد أكثر الأنظمة انتشارا وأبسطها. وتتكون الشبكة -وهي تشبه تلك المستعملة في الكرة الطائرة- من نسيج من البولي إيثلين أو البروبيلين، ويتمثل دورها في التقاط جزيئات الماء التي تشكل الضباب، ثم تتدفق المياه المجمعة نحو أسفل الشبكة.

وبإمكان شبكة بمساحة 40 مترا مربعا التقاط 200 لتر من المياه في المتوسط يوميا، لكنها عديمة الفائدة تقريبا في التقاط جزيئات الماء من الهواء في حال عدم وجود ضباب.

المغرب استفاد من مشروع استمطار الضباب في توفير المياه للمناطق النائية (دويتشه فيله)

تقنيات
لذلك تم خلال السنوات الماضية تطوير وسائل أكثر تعقيدا تعتمد على تقنيات متطورة نسبيا رغم أن مردوديتها ما زالت في بداياتها، لكنها تبشر بمستقبل واعد، خاصة إذا ما تم التحكم بطريقة أفضل في الطاقة المعتمدة في التشغيل.

وتتوفر اليوم أجهزة تسمى مولدات الماء من الهواء، وهي أجهزة تستخرج المياه من رطوبة الهواء عبر تكثيف بخار الماء عن طريق تبريد الهواء تحت نقطة الندى -تماما مثلما يحدث لقطرات الماء عندما تتجمع على السطح الخارجي لأي زجاجة عند إخراجها من الثلاجة- أو عن طريق ضغط الهواء أو تعريضه للمجففات.

وتتوفر في الأسواق العالمية العديد من الأنظمة المتكاملة التي تستخدم مولدات الماء من الهواء، منها الأجهزة التي ابتكرتها الشركة الفرنسية الناشئة "إيول ووتر" وهي تعتمد على مروحة تستغل طاقة الرياح لتشغيل النظام المزود كذلك بجهاز لمعالجة الماء ليكون قابلا للاستهلاك. ويبلغ وزن الجهاز نحو 2500 كيلوغرام، وهو قادر على إنتاج 100 لتر من الماء يوميا، لكن ثمنه يفوق 30 ألف دولار، وقد تمت تجربته منذ سنوات.

وتشبه الأجهزة التي طورتها شركة "إمبينت ووتر" الأميركية مثيلتها الفرنسية في ما عدا كونها تعمل بالطاقة الكهربائية ولها مردودية مرتفعة نسبيا تصل إلى ثلاثة آلاف لتر من الماء يوميا، لكنها تحتاج إلى كمية هائلة من الطاقة، مما يجعل كلفة إنتاج اللتر الواحد من الماء مرتفعة جدا.

كما توفر الشركة الأميركية أجهزة منزلية يبلغ وزنها قرابة 40 كلغ وتشبه الثلاجة في مظهرها، وتعمل بنفس الأسلوب لإنتاج 18 لترا من الماء يوميا، لكن بكلفة مرتفعة نظرا لاستهلاكها المرتفع للطاقة.

وعموما تتميز أغلب الأجهزة الموجودة في الأسواق بنهمها في استهلاك الطاقة مقابل نجاعة محدودة، خاصة عند تدني مستوى الرطوبة، وهو ما يجعل تكلفة إنتاج الماء مرتفعة للغاية.

ابتكار واعد
لكن الإنجاز الذي توصل إليه أستاذ الكيمياء بجامعة بيركلي الأردني عمر ياغي قد يمثل خطوة هامة باتجاه الاعتماد على الهواء كمصدر هام للماء في المستقبل، فقد نشر مؤخرا مع فريق علمي من معهد ماساشوستس للتقنية وجامعة كاليفورنيا مقالا في مجلة "ساينس" العلمية يكشف فيه ابتكار تقنية جديدة لالتقاط الماء من الهواء؛ تستخدم مركبات كيميائية تدعى الأطر أو الهياكل المعدنية العضوية "موفس" وتتميز بأسطح قادرة على التقاط بخار الماء من الهواء الجاف.

ويتميز الجهاز الذي طوره البروفيسور ياغي وفريقه -كما يوضح بنفسه في الفيديو أعلاه- بكونه يعمل بالطاقة الشمسية، ولا يحتاج إلى مصدر إضافي للطاقة، وأطلق على الجهاز اسم "حصادة الطاقة الشمسية".

ويتكون الجهاز المبتكر من بلورات مركب "موفس" مضغوطة بين لاقط للطاقة الشمسية ومكثف لوحي. وعندما ينتشر الهواء داخل تجويفات المركب، تعلق جزيئات بخار الماء على الأسطح الداخلية للجهاز. وتقوم أشعة الشمس التي تدخل الجهاز برفع درجات حرارة المركب ودفع جزيئات الماء إلى مكثف في درجة حرارة الغرفة، وهو ما يؤدي إلى تكثف البخار وإنتاج المياه السائلة.

ويإمكان جهاز من هذا النوع يحتوي على كيلوغرام واحد من مركب "موفس" إنتاج قرابة ثلاثة لترات من الماء كل 12 ساعة في ظل رطوبة متدنية تصل إلى 20% فقط.

حسب النتائج التي توصل إليها الباحثون، ستتجاوز هذه التقنية الجديدة العقبات الرئيسية التي اعترضت باقي التقنيات المستعملة في هذا المجال، ولعل أهما خفض كلفة الإنتاج مع الاعتماد على الطاقات المتجددة وزيادة المردودية، وهو ما سيفتح آفاقا جديدة لاستخراج الماء من الهواء مستقبلا، خاصة في المناطق القاحلة.
_________________
* إعلامي تونسي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ساهم مشروع حصاد الضباب الذي يعتمد على استخراج الماء من الضباب في توفير مياه الشرب لقرى بجنوب المغرب، كانت تعاني أزمة المياه.

قال علماء إن طبقة الوشاح الأرضي تضم كميات هائلة من المياه تساهم في الحفاظ على الحياة على سطح الأرض من خلال دورها في تحريك الصفائح التكتونية ونشوء البراكين وتوليد التربة.

المزيد من تكنولوجيا
الأكثر قراءة