اقرأ الوقت من مزولة المسجد الأقصى

مزولة المسجد الأقصى شامخة أعلى البائكة الجنوبية وتطل على المسجد القبلي جنوبا (الجزيرة)
مزولة المسجد الأقصى شامخة أعلى البائكة الجنوبية وتطل على المسجد القبلي جنوبا (الجزيرة)

هاني الضليع*

ربما لا ينتبه الكثيرون إلى وجود مزولة (ساعة شمسية) أعلى البائكة الجنوبية لمسجد قبة الصخرة.. إنها مزولة المسجد الأقصى التي يعود تاريخها إلى العام 1927 بحسب التسجيل الوحيد المتداول على الشبكة العنكبوتية.

ومنذ ذلك التاريخ، لا تزال هذه المزولة موجودة أعلى البائكة الجنوبية التي تصعد من المسجد القبلي إلى مسجد قبة الصخرة، وترتفع عن الأرض حوالي ثمانية أمتار، وقد حفرت على قطعة رخامية ذات شكل هندسي مميز ذي خمسة أضلاع غير متساوية الأطوال (100×150 سم) وعليها خطوط منقوشة تمثل الساعة وأوقاتها، إضافة إلى عمود معدني بطول 25 سم يمثل الشاخص الرئيسي للمزولة.

ويعود شرف بناء مزولة الأقصى هذه إلى المهندس رشدي الإمام عضو المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك, كساعة يُستدل بها على الوقت أثناء النهار ويستعان بها على معرفة أوقات الصلاة، إذ لم تكن الساعات الحديثة قد انتشرت بعد، أو لم تكن متاحة إلا في جيوب أثرياء العالم.

في المقابل وعبر مئات السنين انتشرت المزاول في كل بلدان العالم، خصوصاً على جدران المساجد والكنائس وفي الحدائق والساحات العامة بأشكال وتصاميم مختلفة، لكن مبدأها جميعاً كان يقوم على أحد ضربين هما: المزولة الأفقية والمزولة العمودية، فالأفقية منهما توضع على الأرض بحيث ينظر إليها الناس من أعلاها، وتتكون من مثلث متجه شمالاً باتجاه النجم القطبي بزاوية تعادل خط عرض الموقع الذي صنعت له. أما العمودية فهي مجرد مسمار أو قضيب معدني يثبت في الحائط المواجه للشمس جنوباً، ويتجه كذلك باتجاه النجم القطبي بحيث يسقط ظله على دائرة مرسومة على الحائط ومقسمة إلى زوايا تشير كل منها إلى ساعة من ساعات النهار.

يميل مؤشر مزولة الأقصى عشرين درجة باتجاه الجنوب وبزاوية انخفاض تبلغ 31.5 درجة وهي خط عرض مدينة القدس (الجزيرة)

دقة المزولة
وقد عمد المؤقتون المسلمون إلى استخدام هذه الأداة لتحديد وقت صلاتي الظهر والعصر، حيث كان أغلبهم من الفلكيين أو أصحاب الخبرة الفلكية التي تؤهلهم لهذه المهمة. وقد برع في هذه المهمة الفلكي المشهور علاء الدين بن الشاطر الدمشقي منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.

وحيث إن المزولة أو الساعة الشمسية لا تعطي نفس وقت الساعة الميكانيكية الحديثة، فقد يظن البعض أنها ليست ساعة دقيقة، لما يقع فيها من خلاف مع وقت الساعة. غير أن ذلك ليس صحيحاً، فالمزولة تعطينا الوقت الطبيعي للشمس وبحسب الفصل من السنة، فهي تتعامل مع شمس تكمل دورتها مرة كل 24 ساعة، وبذلك تقطع الأرض أثناء دورانها حول نفسها 15 درجة كل ساعة. لكنه بسبب مدار الأرض البيضوي، فإن الأخيرة تقترب من الشمس وتبتعد بحسب الفصل، وهذا يؤدي بدوره إلى تسريع الأرض بالقرب من الشمس وإبطائها بالبعد عنها.

ولأن الساعة الحديثة تعتمد على شمس ثابتة السرعة لا تتغير على مدار العام، يظهر اختلاف بين الوقتين يمكن حسابه بعد معرفة قيمة معادلة الزمن (الفرق بالدقائق بين سرعة الشمس الحقيقية مقارنة بالشمس الافتراضية). وبحساب هذه الفروقات لكل مدينة، يمكن تعويض تلك القيمة إما بالجمع أو الطرح لوقت المزولة من أجل الحصول على الوقت متطابقاً مع الساعة كما في الجدول.

جدول يبين الدقائق التي يجب طرحها من وقت الظل الذي تشير إليه المزولة عبر أشهر السنة لنحصل على وقت الساعة اليدوية (الجزيرة)

وفي دراسة قدمها أحد الفلكيين لمؤتمر تاريخ العلوم بإسطنبول عام 2015، تم إثبات دقة صناعة مزولة الأقصى وصلاحيتها للعمل حتى وقتنا الحاضر بعد دراسة العناصر المختلفة لمكونات هذه المزولة من ميل الشاخص وزاويته وميل حائط البائكة عن اتجاه الجنوب وتقسيم زوايا الساعات حوله، فتطابقت نتائج الصور التي التقطت لها في مواعيد محددة من النهار مع الحسابات العلمية لهذه الأوقات، وذلك بعد طرح فروق الأوقات المعطاة في الجدول من الوقت الذي يقرؤه ظل المزولة ليطابق ذلك مع وقت الساعة الميكانيكية التي نستخدمها في حياتنا اليومية.

صورة التقطها المقدسي إيهاب أبو حمام يوم 10 يونيو/حزيران 2015 في تمام الساعة 11:10 صباحاً (الجزيرة)

ففي الساعة 11:10 من صباح يوم 10 يونيو/حزيران 2015 أشار ظل المزولة إلى الساعة 10:35 صباحاً. وبطرح 25 دقيقة هي القيمة المعطاة في الجدول لشهر يونيو/حزيران من وقت المزولة فإننا نـحصل على الساعة 10:10، وهي بالتوقيت الشتوي، فإذا ما أضفنا إليها فرق التوقيت الصيفي فستصبح الساعة 11:10، وهو نفس الوقت الذي التقطت فيه صورة المزولة.

فإن حالفك الحظ يوماً ودخلت المسجد الأقصى، فلا يفوتنّك أن ترفع رأسك باتجاه البائكة الجنوبية لتقرأ وقت المزولة هناك، فالشمس لم تغير مدارها، وشاخص المزولة لم يصب بأذىً منذ أن وضع، وستقرأ الوقت كما قرأه سكان القدس وحجاجها على مدى عشرات السنين.
_____________________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

سليمان بركة عالم فيزياء فلكية أدخل عام 2010 أول تلسكوب إلى غزة، ويشرف على مركز صغير لعلم الفلك وعلوم الفضاء، ويطمح إلى وضع فلسطين على خريطة البحوث في هذا المجال.

في إحدى القاعات الكبيرة بغزة يجتمع نخبة من المبدعين الشباب لتطوير تطبيقات للحواسيب والهواتف الذكية ضمن مبادرة تحمل اسم “غزة سكاي جيكس” متخطين بعزيمتهم مصاعب الحصار الإسرائيلي.

تمكن شابان فلسطينيان في قطاع غزة من تصنيع أول سيارة محلية تعمل بالطاقة الشمسية دون الحاجة لاستخدام الوقود التقليدي، في محاولة لمواجهة أزمة نقص الوقود وارتفاع أسعاره.

المزيد من تكنولوجيا
الأكثر قراءة