هل تدخل شركات إنترنت عربية نادي المليار دولار؟

تقدر وكالة بلومبيرغ أن تكون صفقة استحواذ أمازون على سوق.كوم بلغت 650 مليون دولار (رويترز)
تقدر وكالة بلومبيرغ أن تكون صفقة استحواذ أمازون على سوق.كوم بلغت 650 مليون دولار (رويترز)

عبد القادر الكاملي*

أتاح عصر الإنترنت إمكانيات كبيرة لنشوء شركات رقمية مبتكرة باستثمارات صغيرة، ما تلبث أن تتحول إلى شركات عملاقة تتجاوز قيمة الواحدة منها المليار دولار خلال سنوات قليلة، مثل أمازون وأوبر وفيسبوك وغيرها، فأين الشركات العربية من ذلك؟

تضمنت قائمة الشركات الناشئة التي أعدها الموقع المتخصص بأخبار التقنية "تك كرنتش"، أسماء 223 شركة تجاوزت قيمة كل منها المليار دولار. وحازت الولايات المتحدة والصين على العدد الأكبر من تلك الشركات، بلغ 115 للأولى مقابل 60 للثانية، واحتلت بريطانيا المرتبة الثالثة بتسع شركات، والهند المرتبة الرابعة بثمان.

وتضمنت القائمة أسماء ثلاث شركات إسرائيلية تعمل جميعها في مجال البرمجيات. وظهر ضمن قائمة المليار دولار اسما شركتين نشأتا في المنطقة العربية، هما "سوق.كوم" للتجارة الإلكترونية، و"كريم" لخدمات سيارات الأجرة المرتكزة على تطبيقات الإنترنت والموبايل.

في ديسمبر/كانون الأول 2016، حصلت شركة "كريم" -ومقرها دبي- على تمويل قدره 350 مليون دولار من شركتي راكوتين اليابانية وشركة الاتصالات السعودية، مما رفع إجمالي الاستثمارات فيها إلى أكثر من 421 مليونا، وأصبحت قيمتها تقدر بنحو مليار دولار. لكن، وفق شركة الاتصالات السعودية فإن أحدث تمويل قدمته لها مشروط بتلبية البنود المتفق عليها لإتمامه.

وفي فبراير/شباط 2016 حصل موقع "سوق.كوم" -ومقره دبي أيضا- على تمويل قدره 275 مليون دولار من خمسة مستثمرين عالميين، مما رفع إجمالي قيمة الاستثمارات التي تلقاها إلى 425 مليونا، وقدرت قيمة الشركة آنذاك بنحو مليار دولار.

وفي 27 مارس/آذار 2017 تأكد استحواذ أمازون على شركة "سوق.كوم" بالكامل لقاء مبلغ لم يعلن عنه، قدرته وكالة بلومبرغ بنحو 650 مليون دولار، وذلك بعد يوم واحد من إعلان "إعمار مولز" أنها تقدمت بعرض قيمته 800 مليون لشراء الشركة، لكن يبدو أن عرضها جاء متأخرا.

"إعمار مولز" قالت إنها تقدمت بعرض قيمته 800 مليون دولار لشراء "سوق.كوم" (رويترز)

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أعلن في دبي عن منصة "نون.كوم" للتجارة الإلكترونية باستثمارات أولية تبلغ مليار دولار. ويقف وراء هذه المنصة رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي. وأعلن يناير/كانون الثاني 2017 موعداً لإطلاقها، لكنها لم تباشر أعمالها بعد، ومن المبكر جداً الحديث عن قيمتها السوقية الفعلية.

سوق واعدة
شهد التسوق عبر الإنترنت في البلدان العربية نمواً مرتفعاً في السنوات الخمس الماضية، فبلغت قيمة مبيعات التجزئة عبر المتاجر الإلكترونية نحو تسعة مليارات دولار عام 2016، أي 1.5% فقط من إجمالي مبيعات التجزئة البالغة 600 مليار دولار تقريبا في نفس العام. ولا تشمل الأرقام السابقة العمليات الخاصة بحجز بطاقات الطيران والفنادق، ولا تلك المرتبطة بالخدمات الحكومية وخدمات التمويل.

معدل النمو في مبيعات التجزئة عبر المتاجر الإلكترونية في المنطقة العربية أعلى من المعدلات العالمية، إذ يتوقع أن يسجل 22% سنوياً حتى العام 2020، ليبلغ نحو 20 مليار دولار

تبدو النسبة السابقة ضئيلة بالمقارنة مع البلدان المتقدمة التي تمثل فيها مبيعات التجزئة عبر المتاجر الإلكترونية نحو 8% من إجمالي مبيعات التجزئة، الأمر الذي قد يلعب دوراً إيجابياً في تشجيع المستثمرين في المنطقة على الاستثمار في هذه السوق الواعدة، خاصة إذا علمنا أن معدل النمو فيه أعلى من المعدلات العالمية، إذ يتوقع أن يسجل 22% سنوياً حتى العام 2020، ليبلغ قرابة 20 مليار دولار. ومما يشجع على الاستثمار أيضاً نمو عدد مستخدمي الإنترنت في البلدان العربية إلى نحو 200 مليون مستخدم حاليا.

من يصنع شركات المليار دولار؟
يتطلب إنشاء شركات المليار دولار عوامل عديدة أهمها الكفاءة، وفهم احتياجات السوق المحلية والعالمية، ورأس المال المُخاطر، والبيئة الداعمة.

ويبدو أن الجامعات تلعب دوراً مهما في هذا المجال، فقد نشرت شركة الحوسبة السحابية "سيج" دراسة عن الجامعات الـ15 الأولى عالمياً التي خرّجت أكبر عدد من مؤسسي الشركات الناشئة التي تمكنت من تجاوز حاجز المليار دولار من حيث قيمتها السوقية.

وتصدرت اللائحة جامعة ستانفورد (51 مؤسساً)، ثم جامعة هارفارد (37 مؤسساً)، ثم جامعة كاليفورنيا (18 مؤسساً)، ثم المعهد الهندي للتكنولوجيا (12 مؤسساً)، ثم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (9 مؤسسين).

وما يلفت الانتباه في هذه الدراسة عدم وجود أي جامعة عربية بينها، بينما احتلت جامعة تل أبيب الإسرائيلية المرتبة الثامنة عالمياً في هذا المجال بعدد بلغ سبعة مؤسسين.

شركات الإنترنت العربية الكبيرة

الموجة الأولى
شهد النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين ظهور الموجة الأولى من شركات الإنترنت العربية الكبيرة، كان أولها بوابة "أريبيا دوت كوم" التي تأسست في الأردن عام 1995، ثم انتقل مقرها الرئيسي بعد عدة سنوات إلى مدينة دبي للإنترنت. ورغم حصولها في منتصف العام 2001 على تمويل قدره 20 مليون دولار من إنتل كابيتال، والأمير الوليد بن طلال، والجفالي، أغلقت الشركة أبوابها بعد أقل من عامين.

في العام 1998 تأسست شركة "مكتوب" لتقديم خدمة البريد الإلكتروني باللغة العربية، ثم وسعت خدماتها لتتحول إلى بوابة إعلامية ساهم فيها عدة مستثمرين. وفي العام 2009 استحوذت شركة ياهو على الشركة لقاء مبلغ قدر بنحو 164 مليون دولار. فماذا حدث بعد ذلك؟ أغلقت ياهو خدمات مكتوب تدريجيا، وكان آخرها أخبار مكتوب مطلع العام 2016.

وشهد العام 2000 إطلاق شركة "صخر" لبوابة عربية عملاقة باسم "عجيب"، احتوت على ترجمة آلية، ومجموعة معاجم متعددة اللغات، ومحتويات ثقافية وإسلامية أصيلة، وقسماً لأبحاث السوق مع بيانات إقليمية. لكن توقف هذا المشروع الكبير بعد سنوات قليلة.

ياهو استحوذت على مكتوب مقابل 164 مليون دولار ثم بدأت بإغلاق خدماتها تدريجيا (ياهو)

الموجة الثانية
بدأت الموجة الثانية من شركات الإنترنت في العالم العربي منتصف العقد الأول من هذا القرن، وكانت أكثر نجاحاً من سابقتها، ربما لتركيزها على التجارة الإلكترونية التي بدأت تجذب مستخدمي الإنترنت في المنطقة.

وقد نجحت العديد من الشركات الجديدة التي تأسست في بلدان مجلس التعاون الخليجي والأردن في جذب استثمارات عالمية بمئات الملايين من الدولارات. فبالإضافة إلى سوق.كوم التي سبقت الإشارة إليها، نذكر شركة "طلبات.كوم" التي انطلقت من الكويت عام 2004، ثم استحوذت عليها شركة "روكيت إنترنت" الألمانية عام 2015 لقاء 150 مليون يورو.

المطلوب العمل على تكوين رؤية عالمية وتوفير بيئة داعمة للاستثمار، تسمح بظهور شركات عربية ناشئة ذات أفكار مبتكرة واستثمارات صغيرة أو متوسطة، ثم تتطور قيمتها إلى مليارات الدولارات

وتمكنت شركة "نمشي.كوم" التي تأسست في دبي عام 2011 كمتجر إلكتروني للملابس والأزياء، من جمع 33 مليون دولار من ثلاث شركات عالمية. أما شركة "ماركة.في.آي.بي.كوم" التي انطلقت من الأردن عام 2010 كمتجر إلكتروني لبيع الملابس والأزياء، فنجحت في الحصول على 15 مليون دولار من ستة مستثمرين عالميين.

ومن الأمثلة الأخرى، نذكر شركة "دوبيزل.كوم" التي تأسست في دبي عام 2005 لإعلانات البيع والشراء المبوبة على الإنترنت، وشركة "كوبون.كوم" التي تأسست في دبي عام 2010 لتوفر شراء عروض يومية حصرية أرخص من أسعار السوق الاعتيادية، تقدمها مطاعم ومنتجعات وجهات أخرى. وتمكنت الشركتان من جذب اهتمام المستثمرين العالميين، وجمعت كل منهما عشرات الملايين من الدولارات.

نأمل أن لا تقتصر الاستثمارات العربية التكنولوجية على التجارة الإلكترونية في المنطقة فقط. والمطلوب العمل على تكوين رؤية عالمية وتوفير بيئة داعمة للاستثمار، تسمح بظهور شركات عربية ناشئة ذات أفكار مبتكرة واستثمارات صغيرة أو متوسطة، ثم تتطور قيمتها إلى مليارات الدولارات.

الشركات الإسرائيلية تدير لعبة الاستثمارات هذه بنجاح، وآخر الأمثلة على ذلك استحواذ إنتل على شركة "موبيل.آي" الإسرائيلية المتخصصة في تكنولوجيا السيارات الذاتية القيادة مقابل 15.3 مليار دولار.
_______________
 * مستشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

المصدر : الجزيرة