مستقبل البلدان العربية في عصر الذكاء الاصطناعي

مؤسس شركة "ديب مايد" للذكاء الاصطناعي التابعة لغوغل والمطورة لحاسوب "ألفا غو" الذي يستند إلى تقنية "التعلم العميق" (الأوروبية-أرشيف)
مؤسس شركة "ديب مايد" للذكاء الاصطناعي التابعة لغوغل والمطورة لحاسوب "ألفا غو" الذي يستند إلى تقنية "التعلم العميق" (الأوروبية-أرشيف)
عبد القادر الكاملي

إذا كان عدم التحاق البلدان العربية بالثورات الصناعية المتعاقبة قد أدى إلى تخلف صناعي، فإن عدم التحاقها بثورة الذكاء الاصطناعي التي انطلقت حديثا سوف يؤدي إلى تخلف عقلي. ربما تكون هذه العبارة صادمة، لكن ماذا لو أصبحت الفروق في قوة الذكاء كبيرة جدا بين البلدان المتقدمة وبلدان العالم الأخرى، أليست التسمية المنطقية لها هي "البلدان المتخلفة في الذكاء"؟
 
يبذل العلماء حاليا (في غير البلاد العربية طبعا) جهودا جبارة لتطوير الذكاء الاصطناعي الذي بات يتفوق على الإنسان في أداء الكثير من الأعمال، ليس الجسدية والحسابية فقط، بل الفكرية كالتشخيص الطبي والأبحاث القانونية.

فمثلا، فاقت دقة الحاسوب واتسون الذي أنتجته شركة "أي بي أم" دقة الطبيب البشري في تشخيص أمراض السرطان بأربع مرات. وبلغت دقته على صعيد المشورات القانونية المعقدة 90% مقارنة بدقة لا تتجاوز 70% للحقوقي المتخصص في هذا المجال. وأصبحت شركة فيسبوك تمتلك منذ الآن برمجيات ذكية تستطيع التعرف على الوجوه بدقة أعلى مما يستطيعه الإنسان الموهوب في هذا المجال.
السيارات الذكية الذاتية القيادة المستقبلية ستستخدم بطاريات الكهرباء ولن تحتاج للوقود التقليدي (غيتي إيميجز-أرشيف)

انطلاقة الذكاء الاصطناعية
لعب عاملان أساسيان دوراً كبيراً في انطلاقة الذكاء الاصطناعي، لم يكونا متوفرين قبل عقد من الزمن، العامل الأول هو البيانات الضخمة التي أصبحت متوفرة على الشبكات العالمية في المجالات كافة، وبحيث تستطيع أجهزة الحاسوب المتطورة البحث ضمنها، ومقارنتها واستخلاص النتائج منها بسرعة فائقة. العامل الثاني هو التطور الكبير الحاصل في مجال "التعلم العميق" أي الأبحاث والبرمجيات المرتبطة بتطوير قدرات الآلات على التعلم الذاتي، وهو الهدف الرئيسي للذكاء الاصطناعي.

يتوقع العديد من العلماء والمفكرين أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري في معظم الأعمال التي يقوم بها الإنسان في غضون عقدين من الزمن على الأكثر. وسوف يتمكن من تطوير نفسه بنفسه بشكل متواصل ودون حاجة لتدخل بشري. وسوف يكون التطور على شكل دورات متتالية، بحيث ينشأ عن كل دورة جيل جديد أكثر تطورا مما سبقه، وأكثر سرعة في تطوير ذاته. وسيؤدي ذلك سريعاً إلى نشوء ذكاء خارق يفوق بكثير كل الذكاء البشري مجتمعا. تعرف هذه الظاهرة باسم  "التفرد التكنولوجي" أو التفرد (Singularity).

يقول الصحفي الأميركي كيفن كيلي مؤسس مجلة ويرد الشهيرة إن "التفرد هو النقطة التي ستفوق فيها التغيرات التي ستجري في الدقائق الخمس المقبلة كل التغيرات التي جرت خلال المليون سنة السابقة".

السايبورغ
ولكي لا يصبح سلوك الذكاء الاصطناعي خارج السيطرة بسبب تفوقه على الذكاء البشري يقترح إيلون ماسك مؤسس شركة السيارات الذكية تسلا وشركة سبيس إكس الفضائية ومديرهما التنفيذي دمج الذكاء الاصطناعي بالذكاء الطبيعي من خلال إضافة طبقة ذكاء رقمية للدماغ البشري أطلق عليها اسم الرابط العصبوني (Neural Lace)، مما سيؤدي إلى إنتاج السايبورغ (Cyborg)، وهو الإنسان الممزوج بالذكاء الاصطناعي والذي ظهر في أفلام الخيال العلمي.

السايبورغ إنسان آلي أشبه بالبشر لكنه أكثر ذكاء

يقول ماسك "لن يكون بوسع البشر التنافس مع الذكاء الاصطناعي المتنامي، ولذلك هم بحاجة لدمج الذكاء الاصطناعي بهم كي لا يصبحوا كائنات هامشية". يتفق العديد من العلماء مع هذا الرأي، فعالم الحاسوب الأميركي ريموند كرزويل يقول "عندما ندخل أربعينيات هذا القرن سنصبح قادرين على مضاعفة الذكاء البشري مليارات المرات. وسيكون ذلك تغييراً عميقاً وفريداً في الطبيعة. وسيصبح الحاسوب أصغر فأصغر. وفي نهاية المطاف، سوف يتم زرعه في أجسادنا وعقولنا ويجعلنا أكثر صحة وذكاء".

كان التقدم الطبي خلال القرن الماضي بطيئاً نسبياً، لكن وبمجرد أن اقتحمت التكنولوجيا عالم الطب على نطاق واسع، بدأ التقدم الطبي يخضع لمعدلات النمو التكنولوجي المرتفعة جداً. لقد شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية تجارب مهمة على صعيد تحرير الجينات، واستخدمت هذه التقنية بنجاح للتغلب على بعض الأمراض الوراثية، والتحكم ببعض صفات الإنسان، ومن الممكن استخدامها مستقبلاً لزيادة ذكاء الإنسان.

لم تعد الأفكار السابقة خيالا علمياً، بل أصبحت الشغل الشاغل لشركات التكنولوجيا الكبرى ومراكز البحوث العلمية ليس في الولايات المتحدة الأميركة وبعض البلدان الأوروبية فقط، بل في اليابان والهند وكوريا الجنوبية والصين بشكل خاص، فقد أشار تقرير الخطة الإستراتيجية الوطنية للأبحاث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي الصادر عن البيت الأبيض أواخر عام 2016 إلى أن الصين باتت تبذل جهداً أكبر وتخصص وقتاً أطول مما تقوم به الولايات المتحدة في مجال الدراسات المرتبطة بالتعلم العميق بهدف التفوق في الذكاء الاصطناعي.

الثورة الصناعية الرابعة
يعتبر المنتدى الاقتصادي العالمي أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات هي محرك الثورة الصناعية الرابعة. فالثورة الصناعية الأولى بدأت باختراع الآلة البخارية عام 1784، والثانية بدأت باستخدام الطاقة الكهربائية في الإنتاج والاتصالات والمواصلات عام 1870، والثالثة بدأت مع انتشار الحاسوب وإرسال أول رسالة عبر الإنترنت ودخول الحاسوب عالم الاتصالات والتصنيع والتعليم عام 1969.

الذكاء الاصطناعي يدخل مجال التصنيع في البلدان المتقدمة جنبا إلى جنب مع البشر (رويترز-أرشيف)

السؤال المطروح أمامنا حالياً: ما هو مستقبل البلدان العربية في ظل هذه الثورة؟

تبدي بعض البلدان العربية كدولة الإمارات اهتماما كبيراً بالثورة الصناعية الرابعة واستخدام التقنيات الذكية. لكن لا تجرى في البلدان العربية سوى القليل من التجارب العلمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، معظمها في المملكة العربية السعودية.

البلدان العربية حالياً هي مستوردة للتكنولوجيا، بل بات بعضها يمتلك بنية أساسية تكنولوجية متينة تضاهي ما تمتلكه البلدان المتقدمة. لكن لا أعتقد أن هذه الحال يمكن أن تدوم إذا لم نبادر فوراً إلى التحضير لدخول الثورة الصناعية الرابعة والاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. يتجه العالم نحو الطاقة النظيفة وسينتهي عصر النفط قبل مدة طويلة من نفاد النفط (لم ينته العصر الحجري بسبب نفاد الحجارة)، ويتوقع أن تتدنى أسعار النفط بسرعة بعد عام 2030.

يجب الانتباه إلى أن البلدان المتقدمة تمر بنقطة انعطاف تاريخية تتمثل في الانتقال من الاقتصاد القائم على المعرفة إلى الاقتصاد القائم على الذكاء. وللأسف نجد بعض البلدان العربية تأخذ منحى معاكساً يتجه نحو الاقتصاد القائم على الغباء.

يتجه العالم نحو تغير بنيوي لم يسبق له مثيل، ربما يؤدي إلى زيادة مستوى الذكاء في البلدان المتقدمة فقط بحيث تبرز فكرة العنصرية من جديد، ولكن بمبررات موضوعية هذه المرة.

إذا أردنا أن نبني مجتمعات عربية مستدامة ومزدهرة فعلينا التحضير لاستقبال الثورة الصناعية الرابعة والاستثمار في الذكاء الإنساني والاصطناعي معاً ومنذ الآن. يقول الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة نوبل روبرت شيلر "لا يمكننا الانتظار حتى يحترق البيت لشراء وثيقة تأمين ضد الحريق. وكذلك لا يمكننا الانتظار حتى حدوث اختلالات كبيرة في مجتمعنا كي نحضر للثورة الصناعية الرابعة".
_____________

* مستشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

المصدر : الجزيرة