حلول طبيعية لمواجهة تغير المناخ

الغابات تلعب أبرز دور في امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو وخفض الاحتباس الحراري(غيتي)
الغابات تلعب أبرز دور في امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو وخفض الاحتباس الحراري(غيتي)
جاستن آدامز*

استجابة لتغير المناخ، تعتبر الأرض هي مفتاح الحل؛ حيث تشكل اليوم الزراعة والغابات واستخدامات الأراضي الأخرى ما يقرب من ربع الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، ولكن اعتماد الإستراتيجيات المستدامة لإدارة الأراضي يمكن أن يشكل أكثر من ثلث تخفيضات الانبعاثات على المدى القريب، وهي التخفيضات اللازمة للإبقاء على ارتفاع درجة حرارة الأرض دون المستوى المستهدف، وهو درجتان مئويتان فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية التي حددتها اتفاقية باريس للمناخ.

وتعمل منظمات المحافظة على البيئة، مثل منظمتي، منذ زمن طويل على تحقيق التوازن في التفاعل بين الناس والطبيعة، ولكن في الآونة الأخيرة فقط أدركنا تماماً مدى أهمية إدارة استخدام الأراضي في التصدي لتغير المناخ، ومع تطور الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي والتصميم الكيميائي الحيوي؛ فإنه يمكننا التنبؤ بنتائج أفضل وتطوير إستراتيجيات لإدارة وتقليل العواقب السلبية.

ومن أكثر الطرق الواعدة للتخفيف من حدة تغير المناخ ما نسميه "الحلول المناخية الطبيعية"، مثل المحافظة على الأراضي وإعادة إحيائها وتحسين إدارتها؛ من أجل زيادة تخزين الكربون أو تجنب انبعاثات غازات الدفيئة في المناطق الطبيعية في جميع أنحاء العالم، وتم توضيح الإمكانات الكاملة لهذه الحلول في دراسة جديدة أعدتها منظمتي "نايتشر كونزيرفانسي" للمحافظة على البيئة، و15 مؤسسة رائدة أخرى.

من بين أهم الحلول المناخية الطبيعية حماية "الغابات الحدودية"، وهي غابات بكر تعمل كأحواض كربون طبيعية

ومن بين أهم الحلول المناخية الطبيعية حماية "الغابات الحدودية"، وهي غابات بكر تعمل كأحواض كربون طبيعية، حيث تخزن الغابات الاستوائية والشمالية السليمة، بالإضافة إلى منطقة السافانا والنظم الإيكولوجية الساحلية، كميات ضخمة من الكربون تكون قد تراكمت على مرّ القرون، وعندما تختل هذه المناطق يتم تحرير الكربون، ويساعد الحفاظ على البيئات الحدودية أيضاً في تنظيم تدفقات المياه، ويقلل خطر الفيضانات، ويحافظ على التنوع البيولوجي.

إن إعادة التشجير هو حل طبيعي آخر مهم؛ فعلى الصعيد العالمي، تمت إزالة الغابات أو تدهورت حالتها بما يقدر بنحو ملياري هكتار (4.9 مليارات فدان) من الأراضي، ونظراً لأن الأشجار هي أفضل تكنولوجيا لحجز الكربون وتخزينه في العالم، فإن عكس هذه الأرقام سوف يؤدي إلى انخفاض كبير في مستويات الكربون العالمية، ونحن نقدر أن العالم يمكن أن يحتفظ بثلاثة آلاف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً -أي ما يعادل إخراج ستمئة مليون سيارة من الشوارع- فقط من خلال زرع المزيد من الأشجار.

تعد الفئة الثالثة من الحل الطبيعي هي الإصلاح الزراعي، حيث يشكل قطاع الأغذية من الحقل إلى موائد الطعام مساهماً رئيسياً في تغير المناخ من خلال الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة وآثاره السلبية في كثير من الأحيان على صحة التربة وإزالة الغابات. واعترافا بهذه المخاطر، وقعت 23 شركة عالمية مؤخراً -بما في ذلك نستله وماكدونالدز وتيسكو ويونيليفر- التزاماً بوقف إزالة الغابات في منطقة سافانا سيرادو في البرازيل، حيث تتعرض المنطقة التي تغطي ربع البلد لضغوط متزايدة من إنتاج لحوم البقر وفول الصويا وغيرها من السلع الأساسية إلى جانب البنية التحتية المرتبطة بها.

الحلول المناخية الطبيعية لديها القدرة على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يقدر بنحو 11.3 مليار طن سنوياً، أي ما يعادل وقفا كاملا لحرق النفط

وكما يوضح تعهد سيرادو، عندما تتضامن الحكومات والشركات للتعامل مع تحديات استخدام الأراضي يكون التأثير قوياً، حيث إن الحلول المناخية الطبيعية لديها القدرة على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يقدر بنحو 11.3 مليار طن سنوياً، أي ما يعادل وقفا كاملا لحرق النفط وفقاً لدراستنا، وقد حسبت إحدى الدراسات الحديثة أنه إذا توقفت البرازيل تماما عن إزالة الغابات بحلول عام 2030، فإنها سوف تضيف 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي أو نحو 15 بليون دولار إلى اقتصادها، وتجني المجتمعات أيضاً فوائد ثانوية -مثل التجديد الريفي وتحسين الأمن الغذائي والمائي والقدرة على الصمود في المناطق الساحلية- عند تنفيذ الحلول المناخية الطبيعية.

ومع ذلك، على الرغم من البيانات التي تدعم اتخاذ قرارات أفضل بشأن استخدام الأراضي، هناك شيء ليس في محله، ففي عام 2016، شهد العالم زيادة هائلة بنسبة 51٪ في فقدان الغابات أي ما يعادل مساحة بحجم نيوزيلندا، وعلينا أن نوقف هذا الاتجاه الآن، وأن نساعد العالم على إدراك بأن تخطيط استخدام الأراضي ليس مجرد قصة تتعلق بحفظ للبيئة.

وتتحرك بعض البلدان في الاتجاه الصحيح؛ فعلى سبيل المثال، خصصت الحكومة الهندية ستة مليارات دولار للولايات لاستثمارها في استعادة الغابات، وفي إندونيسيا أنشأت الحكومة وكالة مخصصة لحماية واستعادة أراضي المستنقعات والنظم الإيكولوجية المشابهة التي لديها قدرات هائلة على تخزين ثاني أكسيد الكربون.

ولكن هذه الدول هي الاستثناء، فمن بين البلدان الـ160 التي التزمت بتنفيذ اتفاقية باريس للمناخ، لم يشر سوى 36 بلداً إلى إدارة استخدام الأراضي ضمن إستراتيجياتها للحد من الانبعاثات.

لن يكون التغلب على الجمود سهلاً، حيث تختلف الغابات والمزارع والسواحل من حيث الحجم والنوع وإمكانية الوصول. وعلاوة على ذلك، فإن حياة مئات الملايين من الناس مرتبطة بهذه النظم الإيكولوجية، وتتطلب المشاريع التي تستعيد الغطاء الحرجي أو تحسن صحة التربة تخطيطاً مركزاً، وهو يعد التزاما ضخما لكثير من الحكومات.

من الطرق التي يمكن أن تتحرك بها الأمور، لا سيما في القطاع الزراعي، إزالة أو إعادة توجيه الدعم الذي يشجع على الاستهلاك المفرط للأسمدة أو الماء أو الطاقة في إنتاج الأغذية

ومن الطرق التي يمكن أن تتحرك بها الأمور، لا سيما في القطاع الزراعي، إزالة أو إعادة توجيه الدعم الذي يشجع على الاستهلاك المفرط للأسمدة أو الماء أو الطاقة في إنتاج الأغذية، حيث قام مسؤولو الحكومة الهندية بتذكير أقرانهم خلال اجتماع لمنظمة التجارة العالمية في وقت سابق هذا العام بأن الإصلاحات الزراعية المهمة لا يمكن أن تبدأ إلا عندما تخفض الدول الغنية الدعم "الكبير وغير المتناسب" الذي تمنحه لمزارعيها.

إن دعم الابتكار وريادة الأعمال يمكن أن يساعد أيضاً في عملية التغيير؛ فالعمليات والتقنيات الجديدة في تخطيط الأراضي الطبيعية وتحليل التربة والري وحتى البروتينات البديلة مثل اللحم النباتي تجعل الزراعة واستخدام الأراضي أكثر استدامة. وبالمثل، يمكن للتغيرات في صناعة البناء التي بدأت بالتحول إلى منتجات أكثر كفاءة مثل الأخشاب المغطاة، أن تساعد على الحد من تلوث الكربون.

وأخيراً، يجب زيادة خيارات التمويل للحلول المناخية الطبيعية بشكل كبير، وفي حين بدأت مدفوعات الحفاظ على الغابات التدفق في إطار برنامج الأمم المتحدة للحد من الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها، كما خصص صندوق المناخ البيئي خمسمئة مليون دولار لمدفوعات حماية الغابات ، لا يزال إجمالي الاستثمار العام في الاستخدام المستدام للأراضي غير كافٍ، ووفقاً لمبادرة سياسات المناخ لم يجتذب التمويل العام للزراعة واستخدام الغابات وتخفيف استخدام الأراضي سوى ثلاثة مليارات دولار في عام 2014، مقابل 49 مليار دولار لتوليد الطاقة المتجددة و26 مليار دولار لكفاءة الطاقة.

لقد أكد قادة العالم مجددا في اجتماع الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ الذي اختتم حديثاً في بون بألمانيا أن العالم لا يستطيع أن يستجيب بشكل كافٍ لارتفاع درجات الحرارة إذا استمرت الحكومات في تجاهل كيفية إدارة الغابات والمزارع والسواحل، والآن ونحن لدينا إجماع راسخ، يجب على الحكومات أن تتصرف على هذا الأساس.
____________
* المدير العام العالمي للأراضي في منظمة "نايتشر كونزيرفانسي" للمحافظة على البيئة 

المصدر : بروجيكت سينديكيت