عندما يحمي قادة المناخ الاستثمارات القذرة

الحكومات التي تقود مكافحة تغير المناخ تستمر في دعم وحماية الاستثمار بالبحث عن الوقود الأحفوري واستخراجه ونقله (غيتي)
الحكومات التي تقود مكافحة تغير المناخ تستمر في دعم وحماية الاستثمار بالبحث عن الوقود الأحفوري واستخراجه ونقله (غيتي)

ناثالي برناسكوني-أوستيروالدر ويورغ هاس*

غالبا ما ترتبط حلول الأزمة المناخية بمؤتمرات كبيرة، ولا شك أن الأسبوعين المقبلين سيجلبان العديد من الإجابات، وقد وصل نحو عشرين ألف مندوب إلى بون بألمانيا في الجولة الأخيرة من محادثات الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ التي تستمر من 6 إلى 17 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

ينبغي أن تركز المحادثات في بون على تنفيذ اتفاق باريس بشأن المناخ، فالمسار إلى الأمام واضح، والطريقة الوحيدة للحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية ضمن الحدود المحددة في باريس -أقل من درجتين مئويتين أعلى من مستويات ما قبل الصناعة - هي تحويل رأس المال من الوقود الأحفوري إلى المشاريع الخالية من الكربون، وللقيام بذلك يجب تغيير الطريقة التي تسيّر بها الاستثمارات العالمية للطاقة.

وفي الوقت الراهن تستمر الحكومات التي تقود مكافحة تغير المناخ في دعم وحماية الاستثمار بالبحث عن الوقود الأحفوري واستخراجه ونقله، وبدلا من الاستثمار في السكن الفعال، والتنقل الخالي من الكربون، والطاقة المتجددة، وتحسين نظم استخدام الأراضي تقول هذه الحكومات أشياء، ولكنها تفعل شيئا آخر.

وفقا لأحدث تقرير بشأن الاستثمار العالمي في الطاقة أصدرته وكالة الطاقة الدولية بلغ الإنفاق العالمي في قطاع النفط والغاز 649 مليار دولار في عام 2016 وكان ذلك أكثر من ضعف مبلغ 297 مليار دولار المستثمر في توليد الكهرباء المتجددة
ووفقا لأحدث تقرير بشأن الاستثمار العالمي في الطاقة أصدرته وكالة الطاقة الدولية، بلغ الإنفاق العالمي في قطاع النفط والغاز 649 مليار دولار في عام 2016، وكان ذلك أكثر من ضعف مبلغ 297 مليار دولار المستثمر في توليد الكهرباء المتجددة على الرغم من أن تحقيق هدف اتفاق باريس يعني ترك ما لا يقل عن ثلاثة أرباع احتياطيات الوقود الأحفوري المعروفة في الأرض، وكما تشير هذه الأرقام فإن القصور المؤسسي والمصالح الصناعية الراسخة لا تزال تقف في طريق تحويل الاستثمار إلى طاقة مستدامة.

ويمكن أن يعزى جزء كبير من المشكلة إلى معاهدات الاستثمار الثنائية وقواعد الاستثمار المتضمنة في اتفاقات التجارة الأوسع نطاقا، مثل اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA)، ومعاهدة ميثاق الطاقة والاتفاق الاقتصادي والتجاري الشامل بين الاتحاد الأوروبي وكندا (CETA).

ولأن هذه المعاهدات تهدف إلى حماية المستثمرين الأجانب من مصادرة الملكية فإنها تشمل آليات تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول (ISDS) التي تتيح للمستثمرين التماس التعويض من الحكومات عن طريق هيئات التحكيم الدولية إذا ما أثرت تغييرات السياسة على أعمالهم.

وقد أدى ذلك إلى تقييد الحكومات التي تسعى إلى الحد من استخراج الوقود الأحفوري، ويمكن أن يكون التعويض من حالات "ISDS" مذهلا، ففي عام 2012 رفع مستثمر أميركي دعوى قضائية ضد قرار حكومة كيبيك برفض التصريح بالتحطيم الهيدروليكي تحت نهر سانت لورانس، وبحجة أن هذا الرفض كان "تعسفيا ومتقلبا وغير قانوني" بموجب اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية طلبت شركة الطاقة القائمة على ولاية ديلاوير مبلغ 250 مليون دولار تعويضا عن الأضرار.

وفي يناير/كانون الثاني 2016 استخدمت شركة طاقة ترانسكانادا اتفاقية "نافتا" لمقاضاة الولايات المتحدة معلنة عن خسائر تبلغ 15 مليار دولار بعد أن رفض الرئيس باراك أوباما تصريحا لخط أنابيب النفط كيستون إكس إل. (أوقفت الشركة الدعوى بعد أن وافق الرئيس دونالد ترمب على المشروع في يناير/كانون الثاني 2017).

وفي يوليو/تموز 2017 وافقت كيبيك على دفع ما يقرب من خمسين مليون دولار تعويضا للشركات بعد إلغاء عقود التنقيب عن النفط والغاز في جزيرة أنتيكوستي بخليج سانت لورانس، وهذه المدفوعات وغيرها بالإضافة إلى مئات المليارات من الدولارات تستثمر في صناعة الوقود الأحفوري.

تعمل الدفعات الكبيرة على استنزاف الخزائن العامة، ومجرد التهديد بها لا يشجع الحكومات على اتباع سياسات مناخية أكثر طموحا خوفا من مواجهة الصناعات المعتمدة على الكربون في المحاكم الدولية

إن الدفعات الكبيرة تعمل على استنزاف الخزائن العامة، ومجرد التهديد بها لا يشجع الحكومات على اتباع سياسات مناخية أكثر طموحا خوفا من مواجهة الصناعات المعتمدة على الكربون في المحاكم الدولية.

ولحسن الحظ فإن هذه الحالة ليست دائمة، فالعديد من الحكومات ترى أن إصلاح نظام الاستثمار ليس مجرد إمكانية بل ضرورة، وفي الشهر الماضي عقد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية اجتماعا رفيع المستوى في جنيف يهدف إلى وضع خيارات للإصلاح الشامل لنظام الاستثمار، بما في ذلك إعادة التفاوض أو إنهاء حوالي ثلاثة آلاف معاهدة مهملة.

وينبغي للحكومات أن تبدأ بإصلاح أو الخروج من معاهدة ميثاق الطاقة، وهي الاتفاقية الوحيدة للاستثمار في مجال الطاقة في العالم، ولم يعد من المناسب حماية استثمار معاهدة ميثاق الطاقة وانعدام الأحكام المناخية.

ومنذ تأسيسها كانت معاهدة ميثاق الطاقة بمثابة الأساس لأكثر من مئة مطالبة من قبل شركات الطاقة ضد البلدان المضيفة مع بعض السياسات البيئية الوطنية الصعبة، مثل الإزالة النووية في ألمانيا، وقد انسحبت روسيا وإيطاليا بالفعل من معاهدة ميثاق الطاقة ويجب على الدول الأخرى أن تحذو نفس الحذو أو تلتزم بإعادة التفاوض بشأنها.

وعلاوة على ذلك، ينبغي للبلدان أن تضع الشواغل المتعلقة بالمناخ في صميم مفاوضاتها التجارية والاستثمارية من خلال وضع مشاريع للوقود الأحفوري من بنود الاستثمار، هذا هو أساسا ما اقترحته فرنسا مؤخرا عندما أعلن وزير البيئة نيكولاس هولوت عزم بلاده سن "فيتو المناخ" في الاتفاق الاقتصادي والتجاري الشامل.

وقال هولوت إن فرنسا ستصادق على المعاهدة فقط إذا شملت ضمانات بأن يمنع الطعن في التزاماتها المناخية أمام محاكم التحكيم. كما يمكن إعفاء مشاريع الوقود الأحفوري من حماية الاستثمار في المعاهدات البيئية الجديدة، مثل الميثاق العالمي للبيئة الذي قدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي.

إن إعادة توازن نظام الاستثمار العالمي ليست سوى الخطوة الأولى نحو اقتصاد خال من الكربون، ولتحويل رؤوس الأموال من المبادرات الثقيلة المتعلقة بالوقود الأحفوري إلى مشاريع الطاقة الخضراء ستحتاج البلدان إلى أطر قانونية وسياسية جديدة على المستويات الإقليمية والوطنية والدولية، وينبغي لهذه الاتفاقات أن تشجع وتيسر الاستثمارات الخالية من الكربون، ومن شأن الاجتماعات المهمة مثل الاجتماعات الجارية في بون وقمة باريس المناخية الشهر المقبل أن تبدأ هذه المحادثات.
__________________
*ناثالي برناسكوني-أوستيروالدر: هي مديرة برنامج القانون والسياسات الاقتصادية في المعهد الدولي للتنمية المستدامة.
يورغ هاس: هو رئيس قسم السياسة الدولية في مؤسسة هاينريش بول.

المصدر : بروجيكت سينديكيت