صواريخ الإطلاق والسباق نحو الفضاء

السباق المتجدد نحو غزو الفضاء قاد لابتكار صواريخ إطلاق يمكن استعمالها أكثر من مرة (رويترز)
السباق المتجدد نحو غزو الفضاء قاد لابتكار صواريخ إطلاق يمكن استعمالها أكثر من مرة (رويترز)

الصغير محمد الغربي

شهدت السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا من قبل الدول والشركات التي تمتلك برامج فضائية بتطوير صواريخ إطلاق جديدة تستجيب لحاجيات متزايدة لإطلاق الأقمار الصناعية والمسابير المختلفة الأحجام، وتمهد لحقبة جديدة من الإنجازات الكبرى في عصر الفضاء كالعودة إلى القمر والهبوط على المريخ.

لقد مكنت أنظمة الإطلاق التي تم تطويرها خلال خمسينيات القرن الماضي من صنع الفترة الذهبية لعصر الفضاء التي امتدت إلى بداية السبعينيات من خلال تحقيق إنجازات تاريخية هامة.

واشتهرت في هذه الملحمة أنواع من هذه الصواريخ مثل صاروخ سبوتنيك السوفياتي الذي مكن من إنجاز أول مهمة في تاريخ الفضاء عام 1957، وصاروخ فوستوك حامل أول مركبة مأهولة إلى الفضاء عام 1961، وأنظمة الإطلاق سويوز والصواريخ الحاملة الأميركية من نوع ساتورن (أو زحل) التي أطلقت رحلات برنامج أبوللو نحو القمر، وصواريخ أطلس ودلتا 4 التي لا تزال تعمل إلى اليوم.

وتدعمت أنظمة الإطلاق لاحقا بدخول دول أخرى مجال الفضاء مثل الاتحاد الأوروبي صاحب نظام آريان، ثم لاحقا اليابان والصين وغيرهما من الدول التي طورت كل منها أنظمتها الخاصة.

وتغيرت مع الزمن رؤى الدول المتنافسة في مجال الفضاء لتكتفي ببرامج أقل طموحا كوضع الأقمار الصناعية في مدارات حول الأرض، وإرسال مسابير لاستكشاف كواكب المجموعة الشمسية ومكوناتها، وهو نشاط تجاري في جانب كبير منه ويدر المداخيل على شركات تشغيل أنظمة الإطلاق.

واكتفى اللاعبان الأساسيان -الولايات المتحدة وروسيا- بحصص متفاوتة من سوق إطلاق الأقمار الصناعية مع الحفاظ على برامج تمكّن من إنجاز رحلات فضائية مأهولة إلى مدارات منخفضة حول الأرض حيث أنشئت محطة مير السوفياتية، ثم لاحقا المحطة الفضائية الدولية. وكان من أبرز هذه البرامج مشروع المكوكات الفضائية الأميركية الذي امتد على ما يناهز ثلاثة عقود من الزمن بداية من ثمانينيات القرن الماضي.

لكن تقنيات صواريخ الإطلاق لم تتطور كثيرا مع تغير الأهداف والبرامج الفضائية لما تتطلبه عملية البناء من إمكانات مادية وبشرية هائلة، لذلك ظلت عمليات الإطلاق مكلفة جدا خاصة وأن أنظمة الإطلاق التقليدية هذه غير قابلة لإعادة الاستعمال مرة ثانية. 

جزء الطابق الأول من صاروخ فالكون 9 بعد عودته وهبوطه على منصة عائمة في المحيط ووصوله لميناء كانافيرال بفلوريدا (غيتي)

أنظمة إطلاق مبتكرة
بحلول منتصف العقد الأول من القرن الجديد دخلت شركات خاصة مجال الفضاء لأول مرة وهي تحمل رؤى مغايرة تركز على اعتماد تكنولوجيات مختلفة تساهم في خفض الكلفة وكسر أهم حاجز يحول دون انضمام أعضاء جدد لهذا النادي الضيق. فظهرت شركة "بلو أوريجن" لمالكها جيف بيزوس (صاحب شركة أمازون) وشركة "سبيس أكس" لمالكها ألون ماسك كأبرز شركتين خاصتين تسعيان للاستحواذ على حصص من سوق صواريخ الإطلاق.

وتوصلت هذه الشركات إلى تصميم أنظمة إطلاق مبتكرة سعت من خلالها إلى تجاوز أبرز نقاط الضعف في الأنظمة التقليدية، وهي الاستجابة إلى المتطلبات الجديدة لسوق إطلاق الأقمار الصناعية بعد نمو الطلب على تصنيع الأقمار الصناعية الصغيرة الحجم مع خفض كلفة الإطلاق.

وتوصلت شركة "سبيس أكس" إلى تصنيع صواريخ حاملة من فئة "فالكون" وقابلة لإعادة الاستخدام جزئيا أكثر من مرة، وذلك بإعادة الطابق الأول الذي يمثل الجزء الأهم من الصاروخ -حجما وكلفة- إلى منصة هبوط ليعاد استعماله من جديد.

ونجحت الشركة بفضل هذه التقنية الجديدة في خفض كلفة الإطلاق وجذب نسبة هامة من الزبائن. ويبين جدول عمليات الإطلاق المبرمجة في الربع الأخير من هذا العام استحواذ "سبيس أكس" بفضل صاروخها فالكون 9 على سبع منها أي ما يقارب ثلث عدد عمليات الإطلاق التي يبلغ عددها 23.

أما شركة " بلو أوريجن" فقد نجحت منذ العام 2015 في اختبار صاروخها الحامل "نيو شيبارد"، وهو من النوع الثقيل وبإمكانه نقل حمولات إلى المدارات العليا حول الأرض. وتخطط هذه الشركة خلال السنوات القادمة لإرسال سياح إلى الفضاء بحلول عام 2020. وفي سياق مواز تعمل هذه الشركة مع شركتي بوينغ ولوكهيد مارتن على تطوير صاروخ "فولكان" الذي من المتوقع أن يكون أرخص ثمنا من فالكون 9.

ولا يقف طموح شركتي "سبيس أكس" و"بلو أوريجين" على هذه الأنشطة الفضائية المذكورة، بل أعلنت كلاهما عن مشاريع مستقبلية للقيام برحلات إلى المريخ خلال العقدين القادمين.

صاروخ شيبارد لشركة بلو أوريجن بإمكانه نقل حمولات إلى المدارات العليا حول الأرض (رويترز)

برامج طموحة
لكن هذا الظهور الكاسح للشركات الخاصة لم يقلص كثيرا من دور الوكالات الحكومية لدول النادي الفضائي بفعل زيادة حجم النشاط الفضائي من ناحية ولأهمية المشاريع التي تنوي هذه الوكالات تنفيذها في المستقبل.

فقد أعلنت وكالة الفضاء الأميركية منذ العام 2011 عن صاروخها الحامل الجديد الذي أطلقت عليه اسم "سبيس لانش سيستم" الذي تم تصنيعه بالتعاون مع شركة بوينغ. وسيمكن هذا الصاروخ الحامل الجديد من إنجاز أبرز المشاريع المستقبلية للوكالة كإرسال بعثات مأهولة إلى القمر خلال العقد القادم والقيام برحلة إلى كوكب المريخ قبل عام 2035.

وتعمل روسيا من جانبها على مشروعين كبيرين، أولهما تطوير صاروخها الحامل من نوع "بروتون" ليتناسب مع أحجام مختلفة من الأقمار الصناعية، وثانيهما صواريخ "أنقارا" الحديثة مع مواصلة الاعتماد على نسخ مطورة من صواريخ سويوز.

أما الأوروبيون فيعولون على صاروخ آريان 6 الذي من المنتظر أن يقوم بأول عملية إطلاق في يوليو/تموز 2020 وسيكون أكثر تنافسية من صاروخ آريان 5 الحالي بخفض تكلفة الإطلاق إلى النصف.

ورغم أن آريان 6 لم يدخل بعد حيز العمل فإن الوكالة الأوروبية تعمل حاليا على إعداد تصور للنسخة التالية من صواريخ الإطلاق، وهو "آريان نكست" الذي سيدخل الخدمة في حدود عام 2030 وسيكون قابلا لإعادة الاستعمال.

في الوقت ذاته تواصل الصين تطوير صواريخها من فئة "لونغ مارش" لتتناسب مع حاجيات سوق إطلاق الأقمار الصناعية من ناحية، ولتستجيب لطموحات العملاق الآسيوي في الوصول إلى القمر ثم إلى المريخ خلال العقدين القادمين من ناحية أخرى.

ولئن أصبح بالإمكان اليوم التحكم في كلفة البرامج الفضائية التقليدية مثل إطلاق الأقمار الصناعية، فإن الأمر لا يبدو سهلا بالنسبة للرحلات نحو القمر والمريخ التي يخطط لها أكثر من طرف، كلّ على حدة. وهذه البرامج ستكون مكلفة جدا وتحتاج إلى تصميم أنظمة إطلاق قوية ومتطورة. وقد يكمن الحل مستقبلا في توحيد جهود الوكالات الحكومية والشركات الخاصة لتحقيق هذه الأهداف معا على غرار ما وقع عند إنشاء المحطة الفضائية الدولية.


_____________
*إعلامي تونسي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة