عالَم بدون أنابيب العادم

غالبا ما يكون أفقر الناس هم الذين يسيرون أو يستقلون الحافلات (غيتي)
غالبا ما يكون أفقر الناس هم الذين يسيرون أو يستقلون الحافلات (غيتي)

مونيكا أرايا

تعد الحركة الفعالة للناس أمرا حاسما بالنسبة لأي مجتمع، فعندما تعمل شبكات النقل بشكل جيد فهي تقود إلى التنمية الاقتصادية وتجلب الناس فعلا معا، ولكن تعتبر عملية التنقل في أجزاء كثيرة من العالم مسألة حياة وموت، فقد تكون عملية التنقل قذرة وغير آمنة وفوضوية، وذلك أن قضية التلوث والازدحام بسبب الشاحنات والحافلات والسيارات تعتبر مخاطر يومية للملايين وخاصة في البلدان الناشئة.

ولحسن الحظ، تأتي التغييرات الكبيرة المتعلقة بكيفية حركة البشر، فلأول مرة منذ منتصف القرن الـ 19، عندما تم اختراع محرك الاحتراق الداخلي الحديث، أصبح زواله قريبا. فلقد أعلنت شركات صناعة السيارات عن خطط لعشرات من النماذج الكهربائية، ووضع السياسيون في العديد من الدول الأوروبية تاريخا محددا لانتهاء صلاحية السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل، كما يطمح قادة الهند والصين لفعل الشيء نفسه.

تقوم الشركات في جميع أنحاء العالم بعمل تنبؤات جريئة بأن التنقل الكهربائي هو مستقبل النقل، وحتى أولئك الأكثر عرضة للخسارة من التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري قد فهموا أن السيارات الكهربائية أمر لا مفر منه

تقوم الشركات في جميع أنحاء العالم بعمل تنبؤات جريئة بأن التنقل الكهربائي هو مستقبل النقل، وحتى أولئك الأكثر عرضة للخسارة من التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري قد فهموا أن السيارات الكهربائية أمر لا مفر منه، وحتى الرئيس التنفيذي لشركة شل "بن فان بوردن" قد أقر في يوليو/تموز الماضي بأن سيارته القادمة ستكون كهربائية.

لقد وصل المزيد من الناس إلى نفس النتيجة، والأشخاص الذين يدافعون عن السيارات الكهربائية باعتبارها واحدة من الحلول لتغير المناخ يشعرون بالتفاؤل بأن نقطة التحول قد أصبحت قريبة، وقد زادت مبيعات السيارات الكهربائية بشكل كبير في السنوات الأخيرة حيث تم تسجيل حوالي 750 ألف سيارة عام 2016 نصفها تقريبا في الصين.

ومع ذلك، فإن من طبيعة البشر مقاومة التغيير. ولا يزال العديد من المشترين المحتملين يترددون عند شراء السيارات الكهربائية، ولهذا السبب فإن التصدي للتحيز في الاستهلاك يجب أن يكون على قمة الأولويات خلال السنوات القليلة القادمة، وهناك حاجة إلى العديد من التغييرات لضمان النمو في استخدام وبيع السيارات الكهربائية.

بادئ ذي بدء، يجب على المستهلكين التوقف عن الاعتقاد بأن التنقل بدون انبعاثات هو فقط للأثرياء في البلدان المتقدمة، ففي كل عام يموت 6.5 ملايين شخص بسبب الهواء الملوث، ويعيش 92% من سكان العالم في أماكن يكون فيها الهواء غير آمن للتنفس.

إن انبعاثات المركبات تساهم بشكل كبير في الهواء القذر الموجود في كل مكان، ويساعد الاستثمار في التنقل الكهربائي والبنية التحتية المرتبطة به، بما في ذلك النقل العام المكهرب ومحطات شحن المركبات وبرامج تقاسم السيارات الكهربائية، في التنمية عوضا عن إلحاق الضرر بها.

كل عام يموت 6.5 ملايين شخص بسبب الهواء الملوث، ويعيش 92% من سكان العالم في أماكن يكون فيها الهواء غير آمن للتنفس

إن دعم هذه الاستثمارات يتطلب من الناس رفض الوعد الكاذب بالوقود الأحفوري "النظيف". إذ يصر بعض المسؤولين ضمن صناعة السيارات على أن السيارات الكهربائية ليست جاهزة بأن تطرح للجمهور على نطاق واسع وبأن الحل الأفضل هو بناء محركات تعمل بالبنزين والديزل تكون أكثر كفاءة، وهذه هي القصة التي نسمعها في أغلب الأحيان من تجار السيارات في أميركا اللاتينية، ولكن مثل هذه الآراء غير دقيقة وتهدف لتحقيق مصالح ذاتية.

لقد كنت محظوظا بتمكني من تجربة التنقل الكهربائي، وكيف أن هذا التنقل يعد أفضل من السيارات التي تعمل فقط بالبنزين والديزل، فقد سافرت آلاف الأميال عبر عدة بلدان باستخدام السيارة الكهربائية. علما بأنه مجرد أن يجرب السائق التكنولوجيا النظيفة والصامتة والقوية فإن من الصعب عليه أن يتخلى عنها، ويتوجب على الحكومات وجماعات المستهلكين في كل مكان العمل معا لجعل المزيد من الناس يقودون تلك المركبات الملهمة.

وأخيرا، يجب علينا معالجة الاختلالات الهيكلية التي لا تزال قائمة في سياسات النقل لدينا، وببساطة فإن أولئك الأشخاص الأكثر معاناة من التنقل "القذر" لديهم أضعف صوت سياسي. فعلى سبيل المثال، تظهر بيانات من المملكة المتحدة أنه غالبا ما يكون أفقر الناس هم الذين يسيرون أو يستقلون الحافلات، ونادرا ما يكون تطوير النقل العام بدون انبعاثات من أهم الأولويات بالنسبة لقادة الحكومة، وللتأثير عليهم يتوجب على المدافعين أن يوضحوا ويعززوا من دفاعهم عن الفوائد الاقتصادية والاجتماعية للتنقل بدون انبعاثات مثل الآثار الإيجابية على الصحة العامة.

سوف يستغرق تغيير المسار وقتا حيث تعمل منظمتنا في كوستاريكا على تشجيع الشركات والحكومات على التوقيع على "ميثاق التنقل الكهربائي" لتشجيع الاستثمار في البنية التحتية لصناعات المركبات الكهربائية، وسوف نقوم بفتح سجل أوائل عام 2018 على الإنترنت، ونهدف إلى أن يكون معنا بحلول نهاية العام المقبل مئة من المؤسسات العامة والخاصة، كما تناقش السلطة التشريعية في كوستاريكا أيضا مشروع قانون لتوفير حوافز ضريبية للنقل الكهربائي.

غالبا ما يسير أفقر الناس أو يستقلون الحافلات، ونادرا ما يكون تطوير النقل العام بدون انبعاثات من أهم أولويات قادة الحكومة

يجد آخرون في أميركا اللاتينية طرقهم الخاصة للترويج للتنقل الكهربائي، ففي جمهورية تشيلي -على سبيل المثال- ينصب التركيز على الطاقة الشمسية والصلة بين التعدين وتصنيع المركبات الكهربائية.
ولكن التغييرات السياسية وحدها لن تدفع المركبات الكهربائية إلى الخط السريع.

ومن أجل تحقيق ذلك، يتوجب على الزبائن أن يتبنوا طرحا جديدا للتنقل النظيف، ونفخر في كوستاريكا بأن جميع الكهرباء تقريبا تنتجها مصادر طاقة متجددة بما في ذلك الطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية والرياح، وهذا يعطينا حافزا لقيادة التحول العالمي من المركبات التي تعمل بالوقود إلى السيارات والحافلات والقطارات الكهربائية. ونسعى نحن الكوستاريكيين جاهدين نحو "أون بيس سين موفلاس" أي "بلد بلا أنابيب العادم" ويعتبر توسيع هذا الهدف عالمياً هو الهدف النهائي.

إن مما لا شك فيه أن دفع المحرك الكهربائي للتغلب على المحرك الذي يعمل بالوقود سيبقى معركة شاقة، ولكن التقنيات الجديدة مثل وجود بطاريات أفضل ومحطات شحن أسرع سوف تساعد على تسريع عملية الانتقال، وأنا أشارك الرئيس التنفيذي لشركة شل الاعتقاد بأن التحول إلى التنقل الكهربائي أمر لا مفر منه، وما نراه على الطرق اليوم مجرد بداية.
_____________
* المؤسسة والمديرة التنفيذية لنيفيلا، تقود مجموعة المواطنين في كوستاريكا ليمبيا، نائبة رئيسة جمعية التنقل الكهربائية في كوستاريكا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت