المجال المغناطيسي ودوران الأرض.. هل ينقلبان؟

A handout picture released by NASA on 25 December 2013 shows a view of planet Earth seen from the Moon, at space, 24 December 1968. The Apollo Eight crew flew from Earth to the Moon and back again. Frank Borman, James Lovell, and William Anders were launched atop a Saturn V rocket on 21 December 1968, circled the Moon ten times in their command module, and returned to Earth on 27 December 1968. The Apollo Eight mission's impressive list of firsts includes: the first hu
يمكن للأرض أن تغير اتجاه دورانها إذا اصطدم بها كويكب بنصف حجم القمر بشكل شبه مماسي من الناحية الغربية (الأوروبية)

*هاني الضليع

أشار تقرير لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) مؤخرا إلى أن المجال المغناطيسي للأرض يضعف بصورة أسرع مما كان يعتقده العلماء سابقا بما يؤذن بانعكاس مقبل للأقطاب المغناطيسية للأرض، فسارع بعضهم إلى الاعتقاد بأن حركة دوران الأرض قد تنقلب نتيجة لذلك أو أنها ستتوقف ثم تنعكس بما يتسبب بطلوع الشمس من مغربها، فما حقيقة هذين الادعاءين، وما هو الرد العلمي على كل منهما؟

في البداية علينا أن نعلم مجموعة حقائق يعتبرها العلماء من البديهيات التي لا يجب أن يختلف عليها الناس وهي أن الكتلة (أي كتلة) هي سبب الجاذبية، وأن المجال المغناطيسي لا علاقة له بالكتلة ولا بالجاذبية فهما أمران مختلفان، وأن الإنسان لا يفقد وزنه بسبب المجال المغناطيسي حين يصعد إلى الفضاء ولكن بسبب ارتباطه بالجاذبية، وأن فقدان الوزن في الفضاء لا يعني انعدام الجاذبية، فالدوران حول الأرض هو السبب بالشعور بفقدان الوزن، فيقال حينها أن رائد الفضاء يسقط حول الأرض سقوطاً حرا، وهي الحالة الوحيدة التي يشعر فيها الإنسان بفقدان وزنه باستمرار، فلو أنك وقفت على ميزان وربطته أسفل قدميك ثم قفزت من أعلى بناية، فستكتشف بأن الميزان لا يقرأ لك أي وزن، ذلك لأنه يسقط معك سقوطاً حرا، وقدماك الملصقتان به لا تضغطان عليه.

بالحسبة الفلكية، فإن الأرض سيتباطأ دورانها حول نفسها فتقل سرعتها بعد 2.3 ألف مليون سنة إلى قرابة أربعين كيلومترا في الساعة فقط، وسيصبح طول اليوم 43 يوما من أيامنا هذه

حسبة فلكية
أما طلوع الشمس من مغربها بسبب وقوف الأرض عن الدوران، فبالحسبة الفلكية، فإن الأرض سيتباطأ دورانها حول نفسها فتقل سرعتها بعد 2.3 ألف مليون سنة إلى قرابة أربعين كيلومترا في الساعة فقط، مقارنة بسرعتها الحالية البالغة 1670 كيلومترا في الساعة، وسيصبح طول اليوم (دورة الأرض حول نفسها) 43 يوما من أيامنا هذه.

وحيث إن الشمس في ذلك الزمان ستبدأ بالتضخم شيئا فشيئا، فإن ذلك يعني أن النهار سيطول أكثر من 21 يوما، وستبلغ درجة الحرارة فيه بضع مئات، فالشمس ستكون قريبة نسبيا، وسيترتب على ذلك اختفاء الماء على سطحها بجميع أشكاله وأنواعه وحالاته، مما يعني أن الإنسان وكل الكائنات الحية ستكون قد انقرضت فتحولت الأرض بإثرها إلى صحراء قاحلة. وحينها لن يكون هناك بشر ليروا كيف سستتوقف الأرض عن الدوران بعد ذلك ثم ينقلب اتجاه حركتها فتطلع الشمس من المغرب بدلا من طلوعها الآن من المشرق.

وعلميا، يمكن القول إن الأرض ستستغرق أكثر من خمسة مليارات سنة كي تتوقف تماما عن الدوران طالما القمر موجود وأثره عليها مستمر بسبب المد والجزر، أما إن ذهب القمر فلن تتوقف الأرض عن الدوران أبدا ولو بسرعة بطيئة، وبذلك لن ينقلب اتجاه دورانها إلا بوجود عامل خارجي يغير هذا الاتجاه.

اصطدام كويكب
ولو افترضنا جدلا أنه ما من داع أصلا لانتظار كل تلك المدة لنرى الشمس تطلع من مغربها، فإن مجرد كويكب يصطدم بالأرض قادر على أن يعكس اتجاه حركتها فتدور بسببه من الشرق إلى الغرب، فهذا هو الوهم والخيال العلمي الذي يمكن أن يتحقق، لكن لن يشهده أحد أبدا.

فاصطدام جرم سماوي بسطح الأرض كما يصفه علماء الفوهات النيزكية يخلف دمارا بحسب قطر الكويكب أو النيزك الذي يرتطم بها، فإذا كان قطر النيزك مترا واحدا، فإنه قادر على أن يحفر فوهة نيزكية بقطر عشرة أمتار، وإن كان قطره كيلومترا واحدا فإنه سيسبب دمارا بقطر عشرة كيلومترات، أما لو بلغ قطره بضع عشرات من الكيلومترات فتلك هي الكارثة الحقيقية، فهو لن يبقي حينها ولن يذر، وسيتسبب بدمار على المستوى القاري أو ربما يؤدي بدمار قارة كاملة وربما يعيق الحياة على الكرة الأرضية برمتها، فهو حينها سيخلف غبارا وأتربة تلف الكرة الأرضية لأيام طويلة وربما لشهور أو سنوات حاجبة عنها أشعة الشمس ومسببة بدمار الغلاف الجوي بعد ذلك، ناهيك عن الدمار الذي سيلحق بالأرض إثر هذا الارتطام المدمر الذي سيهز كيان سطح الكرة الأرضية وبحارها ومحيطاتها فتنتشر بسببه الموجات الزلزالية وموجات تسونامي المائية التي ستغرق كل المدن الساحلية.

نحن بحاجة على الأقل إلى كويكب بمثل نصف حجم القمر، أي بقطر يبلغ قرابة ألفي كيلومتر على الأقل، وأن تأتي الضربة بشكل شبه مماسي في الناحية الغربية من الكرة الأرضية كي تجبرها على تغيير اتجاهها

وبعد ذلك إن بقي ثمة من يشاهد مخلفات الدمار فلربما أدرك بأن الأرض راسخة، فكويكب بهذا القطر لا يكفي لأن يغير اتجاه حركة دوران الأرض، فنحن بحاجة على الأقل إلى كويكب بمثل نصف حجم القمر، أي بقطر يبلغ قرابة ألفي كيلومتر على الأقل، وأن تأتي الضربة بشكل شبه مماسي في الناحية الغربية من الكرة الأرضية كي تجبرها على تغيير اتجاهها. وبالطبع ، فبهذه الضربة القاضية سينقرض بسببها كل من على الأرض، وإذا طلعت الشمس من مغربها بعد ذلك، فلن يكون ثمة من يشهد هذا المنظر.

أما هل يسبب انقلاب اتجاه المجال المغناطيسي تغييرا لاتجاه دوران الأرض، فثمة حقيقة يجب معرفتها وهي أن المجال المغناطيسي ناشئ عن دوران باطن الأرض المعدني بسرعة كبيرة، وهذا الدوران ناشئ مع أصل نشأة الكرة الأرضية غير أنه مستقل عنها بسبب وجوده في الجوف، إذ ينقسم لب الأرض إلى قسمين كلاهما مكون من الحديد والنيكل: الأول داخلي وهو معدني صلب على شكل كرة نصف قطرها 1700 كيلومترا، حوله لب خارجي سمكه 2300 كيلومتراً لكنه معدني سائل يدور حول اللب الداخلي بسرعة أكبر من سرعة الكرة الأرضية نفسها.

الخلاصة
وبحسب أرصاد الجيولوجيين للحمم البركانية المصلبة على سطح الأرض عبر العصور والمكونة بعد ذلك لمادة البازلت الذي ينجذب للمغناطيس بسبب تركيبه المعدني، فقد وجدت بعض طبقات هذه الحمم تتجه قبل تصلبها باتجاه المجال المغناطيسي الأرضي شمالا وجنوبا، وطبقات تختلف في اتجاهها تماما عن الأولى وبينها قرابة سبعمئة ألف سنة بحسب التقديرات الجيولوجية، مما يعني أن ثمة أمرا قد قلب اتجاه المجال المغناطيسي أو يقلبه كل قرابة نصف مليون سنة، وأن هذا الانقلاب متكرر دون أي يؤثر في اتجاه دوران الأرض نفسها.

فإذا كان أصحاب الإشاعة يدعون بأن انقلاب المجال المغناطيس للأرض سيقلب اتجاه حركتها، فعلينا أن ننتظر نصف مليون سنة من الآن كي نتأكد من ذلك، مع علمنا بأن البشرية بأكلمها وبحسب أفضل التقديرات العلمية الحديثة لعلماء الأحياء لم تظهر على الأرض إلا قبل أقل من مئتي ألف سنة من الآن، بصرف النظر عن التقديرات التي تقدمها الديانات السماوية المختلفة لظهور آدم عليه السلام كأبي البشر وأول إنسان استوطن الأرض والتي لا تزيد على خمسين ألف سنة فقط. فهل يلزمنا الانتظار حتى ذلك الزمان كي نتأكد من صحة الادعاء؟ وهل سيكون ثمة بشر يعيش على الأرض بعد تلك الفترة الطويلة من الزمن؟

_____________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

مسار الأرض المتعرج

لا يعرف كثير منا من حركة الأرض سوى دورانها حول نفسها ودورانها حول الشمس، لكن للأرض أربع حركات أخرى مهمة يتسبب في حدوثها أقرب جيرانها إليها وهو القمر.

Published On 16/8/2016
Malaysia's Petronas Towers and surrounding building shrouded by haze in Kuala Lumpur, Malaysia, 29 August 2016. Reports state haze return to Malaysia despite the good to moderate reading of the Malaysia's Department of Environment Air Pollutant Index (API) reading.

دعت مجموعة من خبراء الجيولوجيا لاعتماد عصر جديد عند كتابة التاريخ الجيولوجي للأرض، يأخذ بالحسبان التأثيرات البشرية على الأرض عند التأريخ لهذا الكوكب، ويحمل اسم “العصر البشري”.

Published On 30/8/2016
A handout picture made available by the Royal Observatory of Belgium on 25 February 2014 shows a European Space Agency (ESA) Sun-watching Proba-Two mini-satellite image of the aftermath of the 'coronal mass ejection', on space, 18 February 2014. The image, acquired a little more than three hours after the initial eruption, demonstrates the Sun’s magnetic field reconnecting in the form of loops, down and left of the center of the solar disc to clearly see this distinctive belt of loops. Coronal mass ejections are powered by energy stored in the magnetic field of the Sun’s corona. This energy that can be released by the process of reconnection, in which oppositely oriented field lines are reconfigured to a more relaxed state and stored magnetic energy is converted into the heat and kinetic energy needed to drive huge outward eruptions. Fields that have recently reconnected are heated to many millions of degrees, then cooling to the one million degree temperatures that are visible to Proba-Two’s Sun Watcher using Active Pixel System Detector and Image Processing (SWAP) imager. A second Proba-Two sensor, Lyman Alpha Radiometer (LYRA), measures the Sun’s energy intensity at the same time. Both instruments are operated for ESA by the ROB. EPA/ESA/ROB

تسعى ناسا لإطلاق أربع مركبات دفعة واحدة إلى الفضاء في مهمة لدراسة ظاهرة تسمى “إعادة الاتصال المغناطيسي” التي تحدث عندما تتفاعل الرياح الشمسية مع المجال المغناطسي للأرض.

Published On 24/11/2014
المزيد من تكنولوجيا
الأكثر قراءة