لغتنا العربية.. لغة العلوم والتقنية (2)

فداء ياسر الجندي

استعرضنا في المقال الماضي بإيجاز بعضاً من الميزات الفريد للغتنا العربية، والتي تجعلها أهلا بحق لأن تكون لغة العلوم والتقنية، ونتناول في هذا المقال، كما وعدنا قراءنا الكرام، المسيرة التاريخية للغتنا العربية بوصفها لغة للعلم والعلماء، فنقول بعد التوكل على الله:

إن تلك المسيرة كانت مسيرة مظفرة فريدة لا تكاد تعرف نظيرها لغة أخرى، فقد نشأت العربية في الصحراء، في مجتمع لا يكاد يعرف أهله من حضارة زمانهم إلا اليسير، وكانوا يعيشون حالة تخلف كبير عن الأمم القائمة آنذاك، مثل الفارسية والرومية، ولم نكن نجد في تراثهم شيئا يذكر ذا صلة بالعلم والعلوم، وكان كل ما وصلنا من محصولهم الفكري هو شعرهم، الذي يدور حول الحب والغزل، والبكاء على الأطلال، ووصف الناقة والفرس والسيف، والفخر والمديح والهجاء، وغير ذلك من الأغراض المعروفة للشعر الجاهلي.

الثورة اللغوية التاريخية:
فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الإسلام، ونزل كتاب الله بلسان عربي مبين، بدا واضحاً أن عناية الله تعالى قد أحاطت بهذه اللغة وجعلتها أهلا لتكون لغة كتابه المعجز، كما أن نزول القرآن الكريم باللغة العربية "منح اللفظ العربي امتداداً في المدلول، عندما عبر بألفاظ كان العرب يعرفونها عن معان جديدة لم يكونوا يعرفونها، فأحدث ثورة لغوية لم تشهدها لغة من لغات البشر على امتداد التاريخ"، كما يقول الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه النفيس "العربية لغة العلوم والتقنية"، (وقد استعرت اسم هذا الكتاب عنوانا لهذه السلسلة من المقالات).

ويضيف الدكتور شاهين "إن القرآن حين وسع الدلالة اللفظية، منح ألفاظ اللغة مرونة هائلة وصلاحية باهرة للتعبير عن مختلف المعاني الطارئة في حياة الناس، لقد فك الألفاظ من إسارها وأطلقها من عقالها وقال لها: انطلقي في هذه الدنيا فعبري عن كل ما تصادفين من واقع أو إبداع حضاري، وبذلك اتسعت العربية لكل مستحدث في العلم، أو مستنبط من الفكر".

ليس هذا كلاما نظريا، لأن كل ما واجهته العربية في تاريخها منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا يصدقه ويثبته، فها هي اللغة العربية قد استوعبت بشكل عجيب مدهش كل مصطلحات المحصول الفكري الهائل للدين الإسلامي، الذي تفرع عن أصليه الأساسيين القرآن الكريم والسنة الشريفة عشرات العلوم الجديدة، كالفقه والفرائض والأصول ومصطلح الحديث وغيرها كثير، فنجحت لغتنا بتوفير عشرات الآلاف من المصطلحات الجديدة عن طريق الاشتقاق والتوليد والنحت والمجاز، وغير ذلك من الوسائل التي ليس هذا مجال التفصيل فيها.

90% من أسماء الكواكب والنجوم المعروفة اليوم قد تمت تسميتها بأسماء عربية بواسطة الفلكيين العرب

ثورة المصطلحات العلمية العربية:
حتى إذا انساح الفاتحون المسلمون في الأرض، ووقعوا على كنوز العلوم القديمة، من فارسية وهندية ويونانية ورومانية، نشأت حركة ترجمة غير مسبوقة، ابتداء من القرن الثاني للهجرة، وكان ذلك امتحانا جديدا للغة الصحراء، فما خذلت تلك اللغة أهلها.

المترجمون العرب، وكثير منهم كان عالما في مجاله، مثل ابن سينا والرازي وحنين بن عباد وغيرهم كثير كثير، تمكنوا بفضل مرونة اللغة العربية وخصائصها الذاتية، وبفضل علمهم الغزير وعبقريتهم وحبهم للغتهم العظيمة، من ترجمة التراث العلمي السابق على عصرهم، وتوليد الآلاف المؤلفة من المصطلحات العلمية الجديدة باللغة العربية، وكثير منها ما زال مستعملا حتى اليوم.

وقد استخرج الدكتور عبد الصبور شاهين معجما كاملا لأمراض العين وأوصاف أجزائها من كتاب القانون لابن سينا، علما بأن 90% من أسماء الكواكب والنجوم المعروفة اليوم قد تمت تسميتها بأسماء عربية بواسطة الفلكيين العرب، ولو أردنا ضرب الأمثلة لما وسعتنا الكتب والمجلدات.

العربية لغة العلم العالمية:
وما لبثت اللغة العربية أن أصبحت هي لغة العلم والعلوم على امتداد العالم، وأصبح على من يريد تعلم الطب والهندسة في أوروبا وفي أي بقعة من العالم، أن يقصد بغداد أو قرطبة ليتعلم العربية أولا، فإن أتقنها ونجح في امتحان الكفاءة فيها (بما يشبه اليوم امتحان التوفل للغة الإنجليزية)، باشر تعلم ما يريد من علوم الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلك وغيرها.

وبقيت العربية هي لغة العلم الأولى في العالم لقرون عديدة، إلى أن بدأت شمس حضارتنا تغرب في القرون الوسطى، بعد سقوط الأندلس، لتشرق في أوروبا.

وكان أول ما قامت به أوروبا في فجر نهضتها أواخر القرون الوسطى أن شرعت بترجمة التراث العلمي العربي من العربية إلى اللاتينية التي كانت سائدة آنذاك، وأصبح الهم الأول للجامعات والمعاهد الأجنبية في عصر نهضتهم (الذي كان للأسف عصر انحطاط لنا) الحصول على المخطوطات العلمية العربية لترجمتها، وما زالت مئات الآلاف من تلك المخطوطات موجودة في مكتباتهم حتى يوما هذا، وفيها من الكنوز ما لا يعلمه إلا الله.

تلك كانت لمحة خاطفة عن مسيرة اللغة العربية التاريخية، وتألقها وتميزها كلغة للعلم، نجحت باقتدار في أن تكون لغة العالم العلمية الأولى على مدى يقارب عشرة قرون من الزمان.

وماذا بعد؟
هذا عن ماضي لغتنا فماذا عن حاضرها؟ وهل لا تزال قادرة على أن تكون لغة علم وتقنية كما كانت في الماضي، أم أنه لا سبيل لأمة العرب إلى النهوض العلمي ما لم يتعلموا العلم بلغات أجنبية؟ سنجيب عن هذا السؤال وغيره مما يتعلق بحاضر العربية كلغة علم في المقال القادم إن شاء الله.

________________
* كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في أولى مقالاته ضمن سلسلة "لغتنا العربية.. لغة العلوم والتقنية" يتناول الكاتب فداء ياسر الجندي ما تتميز به اللغة العربية من قدرات واسعة في استيعاب المصطلحات العلمية والتقنية وتوليد المصطلحات والمفردات الجديدة، الأمر الذي يميزها كثيرا عن غيرها من اللغات الحديثة.

حذر المفكر التونسي الطاهر لبيب من أن اللغة العربية مهددة بالانقراض، ودعا إلى تشكيل جمعيات للرفق بها "لأن لغتنا لم تعد تنتج المعنى"، مؤكدا أن الحل سياسي. وزعم لبيب أن الثقافة العربية لم تتأثر بالفكر العلمي رغم ريادة هذه الثقافة.

احتضنت بيروت مهرجانا لترويج اللغة العربية تحت عنوان "نحن لغتنا" نظمته "مؤسسة الفكر العربي" وجمعية "فعل أمر" اشتمل على عروض مختلفة للأطفال والشباب ومعرض للكتب وعروض عن جماليات اللغة العربية.

اللغة هي عنوان الهوية في أي أمة، وهي بمثابة العملة النقدية، تروج وتنتشر بقدر ما لأهلها من استقرار سياسي وتقدم تقني ورخاء اقتصادي، وقد اهتم علماء أمتنا الأولون ومثقفوها باللغة العربية كأمم الأرض جميعها بينما نحن نتعامل اليوم مع لغتنا وكأنها غريبة عنا.

المزيد من أدب ولغة
الأكثر قراءة