هل يصبح ساحل عُمان منطقة مفضلة للعواصف في المستقبل؟

هذه الظواهر ستكون أكثر حدة في المستقبل مع فرص أكبر للوصول إلى اليابسة في جنوب شبه الجزيرة العربية

إعصار شاهين فوق بحر العرب في سبتمبر/أيلول العام الماضي في طريقه نحو ساحل عُمان (ناسا)

تشير دراسات علمية حديثة إلى أن منطقة بحر العرب وسواحل عُمان من المرجح أن تشهد عددا متزايدا من العواصف المدارية المزعجة، وأن تلك الظواهر ستكون أكثر حدة في المستقبل مع فرص أكبر للوصول إلى اليابسة جنوب شبه الجزيرة العربية.

كيف تتشكل هذه العواصف الشديدة في المنطقة، وما أهم العوامل التي ستجعل من ساحل عمان منطقة مفضلة للعواصف في المستقبل؟.. إليك الأسباب.

ارتفاع وتيرة العواصف فوق بحر العرب

تواتر في السنوات الأخيرة تشكل العواصف المدارية جنوب بحر العرب مقابل ساحل عمان. وكان آخرها إعصار شاهين الذي تشكل في أواخر سبتمبر/أيلول وأوائل أكتوبر/تشرين الأول 2021 وضرب سواحل عمان مرفوقا برياح شديدة وأمطار قوية مما خلف أضرارا بشرية ومادية فادحة. وسبق شاهين عدد كبير من العواصف والأعاصير الأخرى في السنوات الماضية، لكن ولحسن الحظ، لم يصل أغلبها إلى اليابسة.

وتشير العديد من الدراسات العلمية إلى ارتفاع وتيرة هذه الظواهر في المنطقة خلال العقود الماضية، إذ أظهرت دراسة علمية نشرت عام 2021، على سبيل المثال، أن هناك زيادة كبيرة في وتيرة العواصف المدارية وشدتها فوق بحر العرب بين عامي 1982 و2019.

ولاحظ الباحثون زيادة بنسبة 52% في تواتر العواصف المدارية، وزيادة في شدتها بنحو 20% في فترة ما قبل موسم الأمطار و40% بعده. كما وثقوا ارتفاعا في طاقة الأعاصير المتراكمة في بحر العرب بـ3 أضعاف في نفس الفترة، وفقا لتقرير نشر على موقع "إي أو إس دوت أورغ" (eos.org) العلمي.

لماذا تتشكل العواصف والأعاصير في هذه المنطقة؟

ولفهم كيفية تشكل هذه الظواهر في المنطقة يقول الدكتور زهير الحلاوي أستاذ علم المناخ بجامعة تونس للجزيرة نت عبر الهاتف، إن "المناخ في منطقة عُمان وبحر العرب يتأثر بالرياح الموسمية التي تهب في الصيف من المحيط الهندي وتصل إلى اليابسة في شكل رياح جنوبية ممطرة".

ويضيف "لكن في فترات أخرى من السنة وخاصة قبيل الصيف -في أبريل/نيسان ومايو/أيار وبعدهما في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول- تتحرك الكتل الهوائية من الشرق نحو الغرب مما قد يحدث سحبا ركامية ورياحا قوية دائرية ممطرة مشكلة عواصف قوية وأعاصير".

تواتر العواصف المدارية زاد بنسبة 52% في الـ20 سنة الماضية (ويكيميديا)

وحول أهم العوامل التي تساعد على تشكل الأعاصير في المنطقة يقول الباحث التونسي إن أهم شرطين لحدوثها، وهما الحرارة والرطوبة متوفران في منطقة بحر العرب وساحل عمان، "إذ توفر المياه السطحية الدافئة للمحيط الرطوبة التي تصعد مع الهواء الساخن إلى الطبقات العليا عند وجود ضغط منخفض. ويؤدي هبوب رياح القص -وهي تغيرات في سرعة الرياح واتجاهها- إلى دوران الكتل الهوائية في شكل قمعي".

ويشير الحلاوي إلى أن مثل هذه الظروف لا تتوفر في دول أخرى متاخمة للمحيط كالمغرب وموريتانيا على سبيل المثال، لأن حركة الكتل الهوائية في المحيط الأطلسي تكون من الشرق نحو الغرب عكس اتجاه الساحل. فإذا حدث وتشكلت عواصف قوية أو أعاصير فإنها تتجه في الغالب، نحو سواحل القارة الأميركية.

كيف تشق الأعاصير طريقها نحو ساحل عُمان؟

إلى حد الآن يصل عدد قليل من الأعاصير إلى اليابسة في منطقة بحر العرب وساحل عمان، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى أنها قد تزداد قوة في المستقبل مع زيادة احتمالات وصولها إلى اليابسة في شبه الجزيرة العربية.

وبحث العلماء -في ورقة علمية جديدة– عن عوامل زيادة مخاطر الأعاصير في المنطقة من خلال دراسة الإعصارين الوحيدين اللذين وصلا إلى اليابسة في السنوات الأخيرة وهما غونو (عام 2007) وشاهين (عام 2021).

ومن خلال تحليل بيانات الأقمار الصناعية تمكن الباحثون، وفقا لتقرير موقع "نيتشر ميدل إيست" (Nature Middle East) من حصر أهم العوامل المؤثرة في تحديد مسارات الأعاصير التي تمكنها من الوصول إلى اليابسة.

ووجدوا أن تشكل العاصفتين في البداية كان بسبب ارتفاع درجات حرارة المحيطات، ولعب التفاعل بين التيار النفاث شبه الاستوائي و"المنخفض الحراري العربي" بعد ذلك دورا رئيسيا في تحديد مسارهما. ويتمثل "المنخفض الحراري العربي" في نظام ضغط منخفض يتشكل نتيجة للحرارة الشديدة التي تتعرض لها شبه الجزيرة العربية خلال أشهر الصيف، ويقوم بسحب الأعاصير إلى اليابسة.

حركة الهواء من الشرق للغرب وارتفاع الحرارة والرطوبة يوفران ظروفا ملائمة لتشكل العواصف (ناسا)

ووجدت الدراسة أن عاملي الرطوبة والحرارة اللذين هما "وقود العواصف والأعاصير" سيزدادان في أجواء المنطقة، وبالتالي من المتوقع أن تزداد شدة وتواتر الأعاصير المدارية في بحر العرب. وبما أن درجة الحرارة تؤثر في تحديد خط سير الأعاصير المدارية نحو اليابسة، رجح الباحثون أن تضرب المنطقة في المستقبل الأحداث المناخية القاسية اليابسة بوتيرة أعلى.

يذكر أن تقرير التقييم السادس الأخير الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ "آي بي سي سي" (IPCC) أظهر أن بحر العرب شهد ارتفاعا كبيرا في درجات الحرارة تراوح بين 1.2 و1.4 درجة مئوية على مدار الـ20 عاما الماضية. وهذا الارتفاع يفوق متوسط الاحترار العالمي لسطح المحيطات الذي يتراوح بين 0.8 و0.9 درجة مئوية، مما يعني "توفر ظروف ملائمة أكثر لحدوث أعاصير في المستقبل" بحسب الدكتور الحلاوي.

ورغم أن البشرية لا تملك إلى اليوم تقنيات تمكنها من تغيير مسار الأعاصير كما يقول العلماء، فإنه سيكون من المهم بالنسبة لدول المنطقة الاستعداد بشكل أفضل لمجابهة هذه الظواهر الطبيعية لتقليل الأضرار التي يمكن أن تحدثها.

المصدر : مواقع إلكترونية