أكثر من 900 نوع جديد من الميكروبات حبيسة الجليد قد تسبب موجة من الأوبئة العالمية

الدراسة الجديدة عن خبيئة ضخمة من الميكروبات الحبيسة في الأنهار الجليدية لهضبة التبت، لها جانب مضيء؛ حيث يمكن استخدام السجلات الجينية للمجتمعات الميكروبية -مثل كتالوج "جينوم وجينات الأنهار الجليدية التبتية"- كأدوات للتنقيب البيولوجي.

أخذ باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم عينات جليدية من 21 نهرا جليديا على هضبة التبت (ناسا)

ذُهل العلماء لاكتشافهم أكثر من 900 نوع لم يُر من قبل من الميكروبات تعيش داخل الأنهار الجليدية على هضبة التبت، وكشف تحليل جينومات الميكروبات أن بعضها لديه القدرة على إحداث أوبئة جديدة إذا أدى الذوبان السريع الناجم عن تغير المناخ إلى إطلاقها من سجونها الجليدية.

كتالوج جينوم الأنهار الجليدية التبتية

ويذكر التقرير المنشور على "لايف ساينس" (Live Science) أن باحثين من الأكاديمية الصينية للعلوم قد أخذوا عينات جليدية من 21 نهرا جليديا على هضبة التبت؛ وهي منطقة مرتفعة في آسيا تقع بين سلسلة جبال الهيمالايا في الجنوب وصحراء تاكلاماكان في الشمال.

وجهّز الفريق بعد ذلك تسلسلا للحمض النووي للكائنات المجهرية المحبوسة داخل الجليد، وأنشأ قاعدة بيانات ضخمة من جينومات الميكروبات التي أطلقوا عليها "كتالوج جينوم وجينات الأنهار الجليدية التبتية" (TG2G)، وهي المرة الأولى التي يتم فيها إنجاز تسلسل جيني لمجتمع ميكروبي مختبئ داخل نهر جليدي.

بين عامي 2000 و2019 كان هناك معدل متسارع لفقدان الجليد من الأنهار الجليدية (غيتي)

ووجد الفريق 968 نوعا ميكروبيا مجمدا داخل الجليد، معظمها من البكتيريا وبعض الطحالب والعتائق والفطريات أيضا، وفق ما أفاده الباحثون في 27 يونيو/حزيران الماضي في الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر بيوتكنولوجي" (Nature Biotechnology)، ولكن ربما الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن حوالي 98% من هذه الأنواع كانت جديدة تماما على العلم.

ويقول الباحثون إن هذا المستوى من التنوع الميكروبي كان غير متوقع بسبب الصعوبة المرتبطة بالعيش داخل الأنهار الجليدية. ويذكر القائمون على الدراسة أنه "على الرغم من الظروف البيئية القاسية مثل درجات الحرارة المنخفضة، والمستويات العالية من الإشعاع الشمسي، ودورات التجميد والذوبان، ومحدودية المغذيات، إلا أن أسطح الأنهار الجليدية تدعم مجموعة متنوعة من الحياة".

كما أن الباحثين ليسوا متأكدين بالضبط من عمر بعض هذه الميكروبات، فقد أظهرت دراسات سابقة أنه من الممكن إعادة إحياء الميكروبات التي حُبست في الجليد لمدة قد تصل إلى 10 آلاف عام، وفقا للدراسة.

تنوع ميكروبي مذهل وأوبئة جديدة

وليست هذه هي المرة الأولى التي يجد فيها العلماء وفرة مفاجئة من الميكروبات التي تعيش في الأنهار الجليدية التبتية، ففي يناير/كانون الثاني 2020 كشف فريق حلل لب الجليد من نهر جليدي واحد عن 33 مجموعة مختلفة من الفيروسات تعيش داخل الجليد، 28 منها لم يسبق رؤيتها من قبل.

فقدان الجليد يزيد من خطر هروب الميكروبات التي تتسبب في انتشار الأوبئة (غيتي)

ويقول الباحثون إن التنوع الميكروبي المدهش داخل الأنهار الجليدية، إلى جانب زيادة ذوبان الجليد بسبب تغير المناخ، يعزز فرص هروب الميكروبات التي يُحتمل أن تكون خطرة (البكتيريا على الأرجح) وتسبب الفوضى، وذكر الباحثون أن "الميكروبات المسببة للأمراض المحبوسة في الجليد يمكن أن تؤدي إلى أوبئة محلية وحتى أوبئة عالمية" إذا تم تحريرها.

وتشير الدلائل إلى أن بعض البكتيريا المكتشفة حديثا يمكن أن تكون خطيرة جدا على البشر والكائنات الحية الأخرى، وقد حدد الفريق 27 ألف "عامل ضراوة" محتمل (جزيئات تساعد البكتيريا على غزو واستعمار مضيفين محتملين) ضمن "كتالوج جينوم وجينات الأنهار الجليدية التبتية".

وحذر الباحثون من أن حوالي 47% من عوامل الضراوة تلك لم يسبق رؤيتها من قبل، وبالتالي لا توجد طريقة لمعرفة مدى ضرر البكتيريا.

وقال الباحثون إنه حتى لو لم تحيَ تلك البكتيريا المسببة للأمراض لفترة طويلة بعد الهروب من أنهارها الجليدية؛ فإنها لا تزال خطيرة، حيث تتمتع البكتيريا بقدرة فريدة على تبادل أجزاء كبيرة من حمضها النووي -والمعروفة باسم "العناصر الجينية المتنقلة" (MGEs)- مع بكتيريا أخرى.

ولذلك حتى إذا ماتت البكتيريا الجليدية بعد وقت قصير من ذوبان الجليد، فلا يزال بإمكانها نقل بعض ضراوتها إلى بكتيريا أخرى. وقد كتب العلماء أن هذا التفاعل الجيني بين ميكروبات الأنهار الجليدية والكائنات الدقيقة الحديثة "يمكن أن يكون خطيرا جدا".

وفرة مفاجئة في الميكروبات التي تعيش في الأنهار الجليدية التبتية (غيتي)

تغير المناخ والخطر العالمي

ويمكن أن تكون الأنهار الجليدية في هضبة التبت مصدرا لإطلاق الأوبئة في المستقبل لأنها تغذي المياه العذبة في عدد من الممرات المائية -بما في ذلك نهر اليانغتسي والنهر الأصفر ونهر الغانج- التي تمد بلدين من أكثر البلدان اكتظاظا بالسكان في العالم، وهما الصين والهند، ولا بد من ذكر أن الأوبئة العالمية تنتشر بسرعة في المناطق المكتظة بالسكان، كما شهد العالم خلال جائحة كورونا (كوفيد-19).

لكن هذه المشكلة المحتملة لن تؤثر فقط على آسيا، حيث يوجد أكثر من 20 ألف نهر جليدي على الأرض، وهي أنهار تغطي حوالي 10% من كتلة اليابسة. ومن المرجح أن يكون لكل نهر جليدي مجتمعات ميكروبية فريدة خاصة به.

وفي أبريل/نيسان 2021، وجدت دراسة باستخدام صور الأقمار الصناعية للأنهار الجليدية أن كل نهر جليدي تقريبا أظهر معدلا متسارعا لفقدان الجليد بين عامي 2000 و2019، مما يزيد من خطر هروب الميكروبات التي تتسبب في انتشار الأوبئة في أي مكان على هذا الكوكب.

وحذر الباحثون من أن "المخاطر الصحية المحتملة لهذه الميكروبات تحتاج إلى تقييم قبل خروجها من سجونها الجليدية.

ومع ذلك، هناك جانب مضيء لهذه الدراسة الجديدة، حيث يمكن استخدام السجلات الجينية للمجتمعات الميكروبية -مثل كتالوج جينوم وجينات الأنهار الجليدية التبتية- كأدوات للتنقيب البيولوجي، أي استكشاف الأنظمة الطبيعية للعثور على مركبات جديدة قيّمة يمكن استخدامها في الطب ومستحضرات التجميل والتقنيات المفيدة الأخرى.

وهذا يجعل قواعد البيانات مثل "جينوم وجينات الأنهار الجليدية التبتية" مهمة للغاية، خاصة إذا انقرضت الأنواع المكتشفة حديثا في المستقبل؛ وهي النتيجة المحتملة بشكل كبير إذا لم تتمكن هذه الأنواع من التكيف مع التغيرات في بيئتها المتجمدة، وفق رأي الباحثين.

المصدر : لايف ساينس + مواقع إلكترونية