مطارق صلبة وليست خوذ أمان.. جماجم نقار الخشب غير مصممة لامتصاص الصدمات

يَنْقُبُ نقار الخشب بمنقاره الأشجار مرارا وتكرارا دون أن يلحقه أي أذى. فهل هناك آلية مُدمَجَة في جماجمهم تقيهم من آثار هذا التصادم المتكرر بالأشجار؟

جماجم نقار الخشب تتصرف كمطارق صلبة (بيكسابي)

يقضي نقار الخشب جل يومه منقبا في جذوع الأشجار، مستخدما منقاره لإحداث ثقوب يستخرج منها من الحشرات ليسد جوعه.

ولطالما تساءل العلماء كيف يمكن لنقار الخشب أن يضرب لحاء وجذور الأشجار بمنقاره بهذا الشكل المتكرر دون أن يلحق أدمغتهم أي ضير أو ضرر؟!

وقد أدى هذا إلى الاعتقاد بأن جماجم نقار الخشب تحاكي في تصرفها خوذات الرأس المصممة لتحمل وامتصاص الصدمات، والتي تقي الدماغ من الارتجاج.

مطرقة صلبة

غير أن دراسة حديثة نشرت في دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) في 14 يوليو/تموز الجاري أشارت إلى أن رأس ومنقار نقار الخشب لا يعملان كخوذة مُمتَصة للصدمات، بل إنهما -على النقيض- يتصرفان كمطرقة صلبة تمنح الطائر أداء نَقْرٍ مثالي.

وللتحقق من هذا الأمر، قام الباحثون بتتبع فيديو عال السرعة يخص 3 أنواع من نقاري الخشب. وركز الباحثون على تتبع حركة أجزاء مختلفة من الرأس في الوقت الذي كانت تضرب فيه مناقير الطيور جذوع الأشجار.

فلو أن هناك امتصاصا للصدمة، فإن ذلك سيؤدي إلى تباطؤ حركة الجمجمة مقارنة بحركتها عند الارتطام بالخشب.

غير أن الأمر لم يكن كذلك، إذ أظهرت حسابات العلماء أن "الرأس كان يعمل كمطرقة صلبة غير مُمتَصة لِوَقْع الصدمة الناجمة عن ارتطام جمجمة الطائر بالشجرة"، حسبما صرح سام فان واسنبيرج -قائد الدراسة في جامعة "أنتويرب" (Universiteit Antwerpen) في بلجيكا- في التقرير الذي نشره موقع "فيز دوت أورغ" (Phys.org).

امتصاص الجمجمة للصدمات يعرقل من قدرات نقاري الخشب في نقب الأشجار بكفاءة (بيكسابي)

ارتطام لا يُحدِث ضررا

واستخدم الباحثون البيانات المرصودة لبناء نماذج ميكانيكية حيوية أدت بهم في النهاية إلى استنتاج مفاده أن امتصاص الجمجمة للصدمات قد يكون في واقع الأمر غير مفيد لتلك الطيور، بل إنه يعرقل قدرات نقاري الخشب في نقب الأشجار بكفاءة.

ولكن العمل كمطارق صلبة غير ممتصة للصدمات يدفعنا إلى الاعتقاد بأن أدمغة نقار الخشب قد تتعرض للخطر جراء الارتطام مرارا وتكرارا بالشجر.

واكتشف العلماء أن الأمر ليس كذلك، فعلى الرغم من أن الصدمة الناجمة عن كل نقرة تزيد على الحد الذي يُحدِثُ الارتجاج في القردة والبشر، فإن أدمغة نقاري الخشب الصغيرة يمكنها تحمل هذه الصدمات.

وأحيانا قد يخطئ نقارو الخشب، حسبما يقول واسنبيرج. فعلى سبيل المثال، قد ينقر الطائر أحيانا بكامل طاقته على المعدن، لكن في غالب الأحيان يكون نقرهم المعتاد على جذوع الأشجار -بشكل عام- أقل بكثير من الحد الأدنى الذي يسبب الارتجاج لهذه الطيور، دون الحاجة لأن تعمل أدمغتهم كخوذات واقية من الصدمات.

النتائج تُفسّر سبب عدم وجود نقاري خشب ذوي رأس وعضلات رقبة أكبر مما هي عليه اليوم (بيكسابي)

دروس مستفادة

يقول واسنبيرج إن "غياب امتصاص الصدمات لا يعني أن أدمغتهم معرضة للخطر أثناء الصدمات التي تبدو عنيفة"، فحتى في أقوى الصدمات الناجمة عن 100 نقرة متتالية للخشب التي رصدها العلماء، ظلت أدمغة نقاري الخشب آمنة.

ومن الناحية التطورية، فإن هذه النتائج تُفسّر سبب عدم وجود نقاري خشب ذوي رأس وعضلات رقبة أكبر بكثير مما هي عليه اليوم، إذ إن نقار الخشب الأكبر ستنتج عنه نقرات أكثر قوة، ومن ثم أكثر ارتجاجا يُحدِث مشاكل خطيرة في الدماغ.

وقد تحمل هذه النتائج بعض التبعات العملية التي تُنَبِّه المهندسين -الذين قاموا بتشريح الهيكل العظمي لجمجمة نقار الخشب رغبة في تطوير مواد وخوذات ممتصة للصدمات- إلى أن نقار الخشب ليس نموذجا جيدا لدراسة هذه الفكرة.

ويشير واسنبيرج إلى دراسة حديثة أخرى أجراها هو وفريقه أفادت بأن مناقير نقار الخشب قد تتعثر في النقر أحيانا. غير أن الطيور تحرر نفسها من هذا المأزق بأن تناوب بين حركة النصف العلوي والسفلي لمناقيرها.

المصدر : فيز دوت أورغ + مواقع إلكترونية