لماذا تعقد الغربان جلسات يومية صاخبة قبل الشروق؟

الغربان تترك منازلها الليلية قبل أقل من ساعة من شروق الشمس أو بعد ذلك بقليل (شترستوك)

أثبتت دراسة جديدة أنه في كل صباح تحاول غربان الزيتون الاتفاق قبل الطيران، وهذا رغم "الاحتمال الكبير لتضارب المصالح".

وفي تقرير نشرته صحيفة "لوباريزيان" (Le Parisien) الفرنسية، يقول الكاتب جايل لومبار إنه إذا سئمت عند الفجر من سماع النعيق المتواصل تحت النوافذ، ليكن في علمك أنك ربما تحضر استفتاء، إذ اكتشف الباحثون أن نوعا من الغربان السود -خاصة غربان الزيتون- تسعى للتوصل إلى إجماع قبل الطيران بأعداد كبيرة من قمم الأشجار، حيث يقضون الليل عادة.

ويوضح الكاتب أنه للتوصل إلى هذا الاستنتاج، قام أليكس دبنه من جامعة إكستر بالمملكة المتحدة وزملاؤه بتسجيل وتصوير 6 مجموعات من الطيور التي تعشش في كورنوال، عبر القناة الإنجليزية، وسمحت لهم نحو 130 ساعة من الصوت و55 ساعة من الفيديو بفحص عملية صنع القرار الجماعي من قبل مجتمعات الغربان التي يصل عددها إلى أكثر من 1400 طائر.

إذا سئمت عند الفجر من سماع النعيق المتواصل ليكن في علمك أنك ربما تحضر استفتاء للغربان (غيتي)

وبيَّن الكاتب أن الدراسة -التي نُشرت في دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) بتاريخ 23 مايو/أيار الماضي- أشارت إلى أن الغربان تركت منازلها الليلية قبل أقل من ساعة من شروق الشمس أو بعد ذلك بقليل. وفي ما يقرب من ثلثي الحالات التي تمت دراستها طارت الأغلبية أو جميع الأفراد في غضون 5 ثوان. وفي المرات الأخرى، أقلعت مجموعات صغيرة بعد مرور نحو 20 دقيقة -على الأكثر- بين القافلة الأولى والأخيرة، ولا يمكن أن يكون ذلك من قبيل الصدفة.

الحفاظ على تماسك المجموعة

من جانبهم، وجد الباحثون أنه في أغلب الأحيان زادت شدة النعيق خلال الساعة التي سبقت مغادرة المجموعة الرئيسية من الغربان، وبمجرد تجاوز مستوى صوت معين، غادرت الغربان بشكل جماعي، لتشكل سربا في السماء. وعلى العكس من ذلك، في الأيام التي لم يتم فيها الوصول إلى مستوى الضوضاء هذا، تمت عمليات الطيران تدريجيا، كما لو أن الطيور لم تتوصل إلى توافق في الآراء.

ويضيف الكاتب أنه لتأكيد الصلة بين النعيق والطيران الجماعي، استخدم العلماء بعض الحيل؛ ففي بعض الحالات قاموا بأنفسهم ببث أصوات صرخات الغراب بين الأشجار، وبفعلهم ذلك تسببوا في رحيل متسرع. وفي حالات أخرى، عندما أطلقوا تسجيلات صوت الريح، حدث الطيران في الوقت المتوقع، لذلك لم تكن الزيادة العامة في مستوى الصوت هي التي جعلت الغربان تطير، بل نداء أغلب الغربان الآخرين من الجنس نفسه.

لم تكن زيادة مستوى الصوت هي التي جعلت الغربان تطير بل نداء أغلب الغربان من الجنس نفسه (غيتي)

وقال الكاتب إنه في ما يخص الطيور التي تحطّ على الأشجار، يصعب رؤية العناصر الأخرى للمجموعة، خاصة مع تواجدها بأعداد كثيرة جدا في الظلام الذي يميز الصباح الباكر. وفي هذا الصدد، يقول المؤلف المشارك في الدراسة أليكس ثورنتون إن الإشارات الصوتية طريقة مفيدة لنقل المعلومات في مثل هذه الظروف، ولكن لماذا هذه النفحة من "الديمقراطية"؟ وتجيب الدراسة بأنها للحفاظ على وحدة المجموعة وتماسكها، وذلك من أجل التقليل من مخاطر الافتراس وتعزيز البحث عن الطعام وضمان وصول أفضل للشركاء المحتملين.

تجاوز الخلافات

وذكر الكاتب أن الاهتمام بالغربان لمدة 10 سنوات تقريبا دفع فريقا من جامعة إكستر لدراسة هذه الطيور إلى أبعد من ذلك. فمن حيث المبدأ، تحدث عمليات صنع قرار مماثلة في أنواع الطيور الأخرى، وسيكون أمرا مثيرا معرفة ذلك. إذ إن البحث حول دور الإشارات الصوتية في القرارات الجماعية للحيوانات كان -وإلى الآن- يركز فقط على النحل ومجموعات صغيرة من فقاريات تضم أقل من 50 فردا، مثل حيوان السرقاط الذي يعرف أيضا باسم "الميركات"، كما أن النمل من المعروف أيضًا أنه يتواصل بطرق معقدة للغاية، ولكن باستخدام الفيرومونات (كيماويات تتركب من جزيئات عضوية معقدة) بدلًا من الإشارات الصوتية.

ولفت الكاتب إلى أن النحل والنمل تعيشان في مجموعات عائلية، حيث تسير مصالح أفراد المجموعة بشكل جماعي لأنها جميعًا أقارب وتتشارك في الجينات. وفي المقابل، فإن مجموعات الغربان تتكوّن من تشكيلات واسعة من الأفراد مشكلة مجموعات عائلية مختلفة. هذا يعني أن الخيارات الفردية لتوقيت مغادرة المأوى من المحتمل أن تتنوع على نطاق واسع، وهذا ما قد ينتج عنه تضارب المصالح، كما يقول أليكس ثورنتون.

وعلى هذا الأساس، ستكون لدى الأفراد مستويات مختلفة من الجوع، التي سيكون لها تأثير أيضًا عندما يريدون المغادرة لجلب الطعام، وهذا ما جعل الباحثين مهتمين بشكل خاص بفهم كيف يمكن للحيوانات التغلب على خلافاتها والتوصل إلى إجماع في مثل هذه الظروف.

تم البحث في دور الإشارات الصوتية في القرارات الجماعية للحيوانات مثل السرقاط أو الميركات (غيتي)

واختتم الكاتب تقريره بالقول إن العمل التالي للفريق يجب أن يركز على عواقب الأنشطة البشرية (مثل التلوث الضوئي والصوتي) على قدرة الحيوانات على اتخاذ قرارات جماعية، مشيرا إلى أن نجوم هذه الدراسات تبقى دائما هذه الغربان التي أثبتت ذكاءها العديدُ من الدراسات التي أجريت في العقود الأخيرة، بالإضافة أيضا إلى أنواع أخرى من الطيور مثل الحسّون الأخضر أو الزرزور أو السمّان أحمر الجناحين.

المصدر : لوباريزيان