كيف طور العالم مفاعلات نووية أكثر أمنا بعد حادث تشرنوبل؟

تساعدنا المحطات النووية على إنتاج الكهرباء، إلا أن الخوف من مخاطرها، وندرة الوقود النووي، والرغبة في خفض درجة الحرارة العالمية؛ أمور دفعت مختلف الدول إلى التوجه لإنتاج طاقة نظيفة مستمدة من الشمس والرياح.

كارثة تشرنوبل هي أخطر الكوارث البشرية في القرن الـ20 (شترستوك)

حلت في 26 أبريل/نيسان الماضي الذكرى الـ36 لانفجار مفاعل تشرنوبل النووي الذي يعد أكبر كارثة عالمية يقع عاتقها على كاهل البشر. وأثار ذلك الحادث مخاوف المواطنين حول العالم نظرا لربط أذهان البشر بين كل ما هو "نووي" بفناء البشرية.

وقد تصدر المفاعل القديم -الذي توقف عن العمل منذ عام 2000- الأنباءَ مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا؛ خوفا من تعرض الجنود للمخاطر الإشعاعية، أو الإضرار بالبنية التحتية للمفاعل، ما قد يسبب كارثة جديدة.

تشرنوبل.. الجيل الأقدم من المفاعلات

تقع محطة تشرنوبل النووية لتوليد الكهرباء على بعد 130 كيلومترا من العاصمة الأوكرانية كييف، وتضم المحطة 4 مفاعلات نووية، عمل على تطويرهم الاتحاد السوفياتي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وطبقا لتقرير بموقع "لايف ساينس" (Live Science)، استخدم السوفيات في المحطة مفاعل "آر بي إم كيه 1000" (RBMK 1000) الذي يتكون من 3 أجزاء رئيسة: نواة المفاعل المسؤولة عن إجراء "التفاعل المتسلسل" (Chain reaction)، و"قضبان الغرافيت" (Graphite Rods) المسؤولة عن التحكم في استمرارية التفاعلات الكيميائية، أما الجزء الثالث والأخير فهو خزان مياه ضخم يُستخدم لتبريد المفاعل، ويستمد ماءه من نهر بربيات.

وطبقا لموقع "فيزكس سنترال" (Physics central)، امتلك ذلك المفاعل عيبا خطيرا أُطلق عليه "معامل الحرارة الإيجابي" (Positive void coefficient)، ويعني زيادة معدلات الانشطار النووي داخل المفاعل نتيجة زيادة التبخير أو نقص التبريد.

كيف يولد المفاعل النووي الكهرباء؟

يعتمد إنتاج الكهرباء في المحطات النووية على التفاعلات المتسلسلة الانشطارية، والتفاعل المتسلسل هو سلسلة من التفاعلات المتعاقبة التي تساهم نتائجها في حدوث المزيد من التفاعلات من دون وجود تأثيرات خارجية. ويستدعي الحصول على مثل تلك التفاعلات في المحطات النووية استخدام مواد مشعة، مثل اليورانيوم 235 المستخدم في محطة تشرنوبل.

وفي التفاعل المتسلسل الانشطاري تُطلَق "النيوترونات" (Neutrons) تجاه ذرات المادة المشعة ما يؤدي إلى انقسامها إلى اثنين (أي حدوث انشطار نووي)، وإنتاج المزيد من النيوترونات. وتصطدم النيوترونات الإضافية بالمزيد من ذرات المادة المشعة مُسببة تكرار العملية السابقة عددا كبيرا من المرات، وتعتمد مدة استمرار التفاعلات على كمية الوقود المشع المستخدم.

وقد استخدم العلماء في مفاعلات "آر بي إم كيه 1000" قضبان الغرافيت كمواد تمتص النيوترونات الزائدة المحفزة للتحكم في التفاعل المتسلسل عند إدخال تلك القضبان داخل النواة أو إزالتها منها؛ ففي حال أردنا الحفاظ على استمرارية التفاعل فإننا نزيل تلك القضبان، وإذا أردنا توقفها ننزلها داخل النواة بأكملها، وما بين هذا وذاك تتحكم القضبان في التفاعلات وتحافظ على استقرار المفاعل.

ويعتمد توليد الكهرباء في المفاعلات النووية على استهلاك طاقة بخار الماء الناتج عن الحرارة التي تُصدرها التفاعلات الكيميائية المتسلسلة من أجل تشغيل توربينات إنتاج الكهرباء، ويشبه البعض المحطات النووية بالغلايات كبيرة الحجم.

انفجر المفاعل الرابع في محطة تشرنوبل نظرا لأخطاء بشرية وعيوب صناعية متعددة (شترستوك)

عيوب تقنية وأخطاء بشرية أدت إلى كارثة تشرنوبل

وفي العودة إلى فجر 26 أبريل/نيسان عام 1986، أراد مشغلو المفاعل رقم 4 في محطة تشرنوبل النووية إجراء اختبار لبعض أنظمة الأمان داخل المفاعل، وخلال الاختبار أغلق التقنيون أنظمة الأمان والتنظيم الذاتي بالمفاعل بما يخالف قواعد السلامة، وسحبوا قضبان الغرافيت من نواة المفاعل مع تركه يعمل بحوالي 7% من قوته، وأغلقوا نظام التبريد المائي، وفق "الموسوعة البريطانية" (Britannica)

في تلك الليلة انفجرت نواة ذلك المفاعل، ويرجح البعض أن سبب الانفجار هو تراكم الأبخرة في مواسير التبريد بسبب عدم وجود كمية كافية من الماء لتبريد المفاعل، والمزيد من البخار يعني زيادة معدلات الانشطار النووي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الضغط والحرارة بنواة المفاعل، ومن ثم انفجارها.

سبب آخر رشحه بعض الباحثين هو خفض طاقة المفاعل، الأمر الذي أدى إلى عدم استقراره وانفجاره. فعندما ترتفع درجة الحرارة داخل مفاعل "آر بي إم كيه 1000″، يعمل اليورانيوم على امتصاص النيوترونات ما يؤدي إلى خفض نشاطه، وبالتالي تثبيط التفاعل المتسلسل، وهو عكس ما يحدث عندما يعمل المفاعل بطاقة منخفضة، فلا تستقر التفاعلات المتسلسلة داخله.

وقد أدى الانفجار إلى تدمير المفاعل الرابع بالكامل، وانتقلت الحرائق لـ4 أبنية مجاورة، وامتلأت السماء بالغيوم السامة، وأمطرت بقايا حطام مكونات المفاعل المشعة. وقد استطاع رجال الإطفاء إخماد الحريق الأول خلال عدد قليل من الساعات، إلا أن الحرائق التي سببتها أعمدة الغرافيت استدعت ما يزيد على 10أيام لإخمادها.

تُستخدم المياه في المفاعلات النووية الحديثة لتبريد نواة المفاعل والتحكم في الانشطار النووي (شترستوك)

تصحيح أخطاء الماضي

وفقا لتقرير بموقع "لايف ساينس" (Live science)، تستطيع المحطات النووية الأحدث تفادي الأخطاء السابقة في تصميمات المفاعلات النووية بالاعتماد على الماء لكونه "مبردا" (Cooler) و"وسيطا" (Moderator) في نفس الوقت، وقد أطلق العلماء على تلك المفاعلات اسم "مفاعلات الماء الخفيف" (Light water reactors).

ويضم ذلك النوع من المفاعلات وعاء ضخما يحتوي على نواة المفاعل مصدر الطاقة، ويحيط بها ماء جار لتبريدها. وكما كان الحال داخل مفاعلات "آر بي إم كيه 1000″، تؤدي حرارة التفاعلات المتسلسلة إلى تبخير الماء، ويعمل البخار على تشغيل توربينات توليد الكهرباء.

وبدلا من الاعتماد على الغرافيت في تنظيم التفاعل المتسلسل، استخدم العلماء الماء لتأدية ذلك الدور؛ فالمياه تبطئ سرعة النيوترونات الحرة الناتجة عن الانشطار النووي، فتستقر التفاعلات، وعند ارتفاع درجة حرارة المفاعل يزداد تبخر الماء، وتنقص كمية المياه فلا تلعب دورا في تنظيم النيوترونات، وبالتالي يزداد بطء التفاعل المتسلسل بما يمنع المفاعل من الانفجار الناتج عن زيادة الحرارة. يُعرف هذا النوع من العمليات باسم "دائرة التأثيرات المرتدة السلبية" (Negative Feedback loop).

إلى جانب المفاعلات الأحدث، لا تزال بعض المحطات النووية تعتمد على مفاعلات "آر بي إم كيه 1000". وقد تعرضت تلك المحطات إلى العديد من التعديلات بعد حادثة تشرنوبل، أهمها إضافة مثبطات للتفاعلات المتسلسلة لحماية المفاعل من ارتفاع الحرارة الشديد عند عمله بطاقة منخفضة، وزيادة عدد قضبان الغرافيت المتحكمة في التفاعلات مع تحديثها وتعديلها كي لا تزيد حدة التفاعلات عند تحركها، وزيادة وحدات تخصيب الوقود النووي.

وتساعدنا المحطات النووية على إنتاج كميات ضخمة من الكهرباء، إلا أن الخوف من مخاطرها المحتملة، وندرة الوقود النووي المُستخدم، والرغبة في خفض درجة الحرارة العالمية؛ أمور دفعت مختلف الدول إلى التوجه لإنتاج طاقة نظيفة مستمدة من الشمس والرياح، وهي خطوة للاستغناء الكامل عن المحطات النووية في المستقبل.

المصدر : لايف ساينس + مواقع إلكترونية