الدكتورة ماجدة مخلوف: الدولة العثمانية اهتمت بالعلوم وشجعتها واستثمرت فيها

الجانب العلمي غير المرئي من التراث العثماني كان محل اهتمام البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو الذي دوّنه في 18 مجلدا، وهو العمل الكبير الذي تولت ترجمته الدكتورة ماجدة مخلوف في كتاب كبير بعنوان "التراث العلمي العثماني"

ESKISEHIR, TURKEY - NOVEMBER 24 2016 : Yilmaz Buyukersen Wax Sculpture Museum. Ottoman Sultans.
الآلاف من العلماء في العهد العثماني قدموا إسهامات في التأليف والترجمة بالمجالات العلمية المختلفة (شترستوك)

لطالما ارتبط الحديث عن الدولة العثمانية في كتب التاريخ والدراسات الأكاديمية بالموروث الثقافي كالفنون والعمارة وحركة الفتوحات ودور العسكر والبحرية في ذلك، مع إهمال للجانب العلمي والحياة العلمية التي شهدتها طوال قرونها الستة.

هذا الجانب غير المرئي كان محل اهتمام البروفيسور التركي أكمل الدين إحسان أوغلو الذي دوّن تاريخ العلوم في الدولة العثمانية في 18 مجلدا، وهو العمل الكبير الذي تولت ترجمته الدكتورة المصرية ماجدة مخلوف في كتاب كبير بعنوان "التراث العلمي العثماني".

عن كتابها وفصوله وعن مختلف مؤلفاتها حاورت الجزيرة نت الدكتورة ماجدة مخلوف عبر البريد الإلكتروني.

  • في البداية حدثينا عن أهمية كتاب "التراث العلمي العثماني" وعن الإضافات التي قدمها المؤلف لتاريخ العلوم الإسلامية؟

هذا الكتاب الذي صدر عام 2021 ويحمل عنوان "التراث العلمي العثماني" هو خلاصة المجلدات الـ18 التي تناولت أدبيات العلوم عند العثمانيين من القرن الـ14 إلى مطلع القرن الـ20، والتي أصدرها البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو على مدى أعوام طويلة أثناء عمله مديرا عاما ومؤسسا لمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) في إسطنبول عام 1980.

وهذا الكتاب يجيب عن الأسئلة التي تثور في الأذهان بدءا من عنوانه: هل هناك تراث علمي عثماني؟ وما هي موضوعاته ومكوناته؟ وهل هناك من يمكن أن نطلق عليهم اسم علماء عثمانيين؟ وهل كانوا على علم بما أنجزه الغرب من تطور علمي؟ وما موقفهم من تلك الإنجازات؟ وما موقف السلاطين العثمانيين من هذه العلوم؟

يقع الكتاب في جزأين بمجلداته الثلاثة الذي تجاوزت صفحاته وفهارسه في الترجمة العربية ألفي صفحة، يحمل في طياته الإجابة عن هذه التساؤلات إجابة علمية قائمة على الدليل والبرهان، وهو ما يجعلنا نعيد النظر في ذلك الادعاء الذي أشرنا إليه، فضلا عما يدفع إلى إعادة النظر في الكثير من القضايا المتعلقة بالحياة العلمية عند العثمانيين، بل وفي العالم الإسلامي الذي كان ضمن النطاق الجغرافي العثماني.

Turkish main opposition presidential candidate Ekmeleddin Ihsanoglu speaks during a news conference in Istanbul, July 23, 2014. REUTERS/Osman Orsal (TURKEY - Tags: POLITICS ELECTIONS)
الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو جمع بين الدراسة العلمية والاهتمام بالتراث من خلال إسهاماته في تاريخ العلوم (رويترز)
  • هلا حدثتنا عن المؤلف وعن سيرته ومساهماته في إثراء مكتبة تاريخ العلوم الإسلامية

البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو هو أستاذي الذي تتلمذت على يديه قبل نصف قرن من الزمان، ولد بالقاهرة سنة 1943 لأبوين عثمانيين، أجاد عدة لغات، وتخرج في كلية العلوم بجامعة عين شمس سنة 1966، وحصل على الماجستير في الكيمياء سنة 1970.

وبعد إكمال دراسة الدكتوراه في جامعة أنقرة بتركيا سنة 1974 أجرى بحثه لما بعد الدكتوراه في الفترة من 1975 إلى 1977 بصفة زميل أبحاث في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة.

وهو الرئيس المؤسس لشعبة تاريخ العلوم في جامعة إسطنبول، والرئيس المؤسس للجمعية التركية لتاريخ العلوم، وقد أسند إليه منصب الأمين العام للجنة الدولية للحفاظ على التراث الحضاري الإسلامي عند إنشائها سنة 1982، وعمل رئيسا للاتحاد الدولي لتاريخ العلوم وفلسفتها بين سنتي 2001 و2005، فجمع بين دراسته العلمية واهتمامه المبكر بالتراث العلمي الإسلامي عامة.

يقول البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو "إن كل مجتمع يُعرف بهوية خاصة به تميزه عن غيره من المجتمعات، وإن الثقافة التي تتطور وتتراكم على مدى التاريخ لشعب من الشعوب تمثل التراث الحضاري بشقيه المعنوي والمادي، ومن هنا يشكل التراث الثقافي أسس الهوية في المجتمعات"، ومن ثم أصبح حفظ، بل وإحياء التراث الإسلامي المادي والمعنوي والمحافظة عليه هو المحور الرئيس الذي تدور حوله فعاليات مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) في إسطنبول طوال فترة رئاسته له من 1980-2004.

لقد كانت فترة توليه إدارة "إرسيكا" فرصة كبيرة اغتنمها لتحقيق الحلم والهدف، فقد كانت حسب قوله "سببا في تهيئة الظروف اللازمة لظهور مؤلفات يصعب على رجل العلم وضعها بمفرده، وسببا في إنجاز مؤلفات كبيرة وإعداد وطباعة كتب لم يفكر فيها العديد من الناس".

كما حرص على وضع قاعدة ببليوغرافية للتراث الإسلامي لإظهاره من ناحية، وحفظه من ناحية أخرى، فوضع في 1984 فهرس مخطوطات الطب الإسلامي، ورصد فيه ألف مخطوط أصلي في الطب، ونسخها في 129 فهرسا بمكتبات تركيا ليبلغ العدد 5 آلاف مخطوط، وفي العام التالي أصدر ببليوغرافيا كتب الكيمياء المكتوبة بالتركية من القرن الـ19 إلى أوائل العهد الجمهوري.

وبالنظر إلى مجموعة البحوث والمقالات العلمية التي كتبها الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو على امتداد حياته العلمية نجد أنها تؤدي إلى مشروعه العلمي لخدمة التراث العلمي الإسلامي، ألا وهو الموسوعة العلمية التي تحمل عنوان "تاريخ أدبيات العلوم عند العثمانيين" بمجلداتها الـ18 تناول فيها حياة 4897 عالما عثمانيا.

وقد اعتمد المؤلف فيها على 527 مجموعة من فهارس المخطوطات في 52 دولة، هذه الموسوعة استغرق العمل فيها أكثر من 30 عاما، وجاءت بمثابة تتويج لهذه الجهود الدؤوبة في خدمة التراث الإسلامي.

وقد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى عند إلقاء نظرة شاملة على فعالياته وجهوده العلمية أنه يكتب لخدمة التراث العثماني، وواقع الأمر أنه يكتب لخدمة التراث الإسلامي في مرحلته العثمانية التي هي استمرار له، لكي يثبت أن حضارة المسلمين وجهودهم -خاصة في مجال العلوم- إنما هي جهود متواصلة.

الدكتورة ماجدة مخلوف
الدكتورة ماجدة مخلوف أستاذة اللغات الشرقية بكلية آداب عين شمس قدمت العديد من الإسهامات العلمية القيمة (الجزيرة)
  • هل من نبذة عن سيرتكم؟

ماجدة صلاح مخلوف، ولدت بالقاهرة سنة 1953، وتخرجت في قسم اللغات الشرقية وآدابها جامعة عين شمس شعبة اللغة التركية وآدابها سنة 1973، ثم حصلت على الدكتوراه من القسم ذاته سنة 1983، ثم أصبحت أستاذة للدراسات التركية سنة 2001.

مشروعنا العلمي منذ الدكتوراه يدور حول دراسة تاريخ الدولة العثمانية وحضارتها دراسة علمية من خلال مصادرها العثمانية الأصيلة بعيدا عن الرؤى الاستشراقية، وفي إطار هذا المشروع أشرفنا على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه على امتداد حياتنا العلمية.

ومن المنطلق نفسه كانت دراساتنا عن الدولة العثمانية وحضارتها، ونشرنا عددا من النصوص الأصلية، سواء باللغة العثمانية أو العربية، والترجمة العربية ودراسة القانون الإداري لولاية مصر في العهد العثماني، وتاريخ بابر مؤسس الدولة البابرية في الهند، هذا بالإضافة إلى المشاركة في مشروعات علمية بمصر وإسطنبول، ودارة الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية.

هذا إلى جانب عدد من المناصب الإدارية والعلمية في كلية الآداب بجامعة عين شمس، منها رئاسة مجلس قسم اللغات الشرقية، ورئاسة مركز الاستشارات والتدريب بكلية الآداب في جامعة عين شمس، وعضوية اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة.

  • لماذا لا يستقطب تخصص تاريخ العلوم الإسلامية والعربية الكثير من الباحثين والمؤرخين؟

الاهتمام بتاريخ العلوم في العالم العربي بدأ متأخرا، وهو غير مستقر على العموم وقصير العمر، أي أنه ليس مستمرا.

لقد برز في الستينيات من القرن الماضي من بين أساتذة العلوم مؤرخون كبار مثل المرحوم الأستاذ مصطفى نظيف أستاذ الفيزياء في كلية العلوم بجامعة عين شمس، والذي قام بدراسات مهمة جدا حول ابن الهيثم ومؤلفاته في البصريات، ثم المرحوم الأستاذ عبد الحافظ حلمي محمد بالكلية نفسها وأستاذ علم الحيوان، وكان عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وله إسهامات متعددة ودراسات مهمة في البيولوجيا عند المسلمين وحول نظرية التطور.

لكن، للآسف الشديد لم تأخذ هذه الدراسات طابعها المؤسسي، بمعنى أنها كانت مبادرات شخصية من علماء كبار اهتموا بتاريخ العلم، وهذه المبادرات ظلت قصيرة المدى.

أما الأستاذ عبد الحليم منتصر -الذي كان أستاذا لعلم النبات في الكلية ذاتها وعضوا بمجمع اللغة العربية- فقد افتتح دورة دراسية في تاريخ العلوم عند العرب، وقد كان سببا في إثارة اهتمام الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو في سن مبكرة عندما كان طالبا في كلية العلوم بجامعة عين شمس، ودافعا قويا لإنشاء قسم لتاريخ العلوم في جامعة إسطنبول، وجعل تاريخ العلم هو تخصصه الأساسي ومحور دراساته الأكاديمية.

وبدأ الاهتمام بهذا الموضوع في إيران في الثمانينيات، خاصة بعد نشاطات مؤسسة "إرسيكا" التي تولى إحسان أوغلو رئاستها منذ تأسيسها، ونتجت عن ذلك تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في بعض البلدان الإسلامية، ونتمنى أن يتم استحداث أقسام لتاريخ العلوم في جامعات عين شمس والقاهرة والأزهر.

أما كون هذا التخصص لا يجذب الباحثين فذلك لأنه تخصص يحتاج إلى باحث يكون مزودا بأكثر من عنصر، منها إلمامه بموضوع العلم الذي سيتخصص في تاريخه، ولغة الكتب والآثار العلمية التي عليه أن يدرسها، والمنهجية العلمية، فضلا عن الجَلَد في البحث، واللافت للانتباه أن موضوع تاريخ العلم في العهد العثماني أصبح يلقى مؤخرا إقبالا في الجامعات الأميركية.

Ekmeleddin Ihsanoglu, leading opposition candidate for August's presidential elections, talks to media in Ankara June 26, 2014. Last week, the secularist Republican People's Party and the Nationalist Movement Party (MHP) said they had agreed to nominate Ihsanoglu, who stepped down in December as head of the Organisation of Islamic Cooperation (OIC), as their joint candidate for the presidential race. REUTERS/Umit Bektas (TURKEY - Tags: POLITICS ELECTIONS)
البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو قدم في كتابه تعريفه للعلم العثماني (رويترز)
  • كيف تعرّفين التراث العلمي العثماني؟ هل هو الذي تمت كتابته باللغة التركية؟ أم الذي تم إنتاجه في العهد العثماني؟ وما الفرق بين التراث العلمي التركي والتراث العلمي العثماني؟

قدم البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو في كتابه تعريفه للعلم العثماني بأنه "الفعاليات العلمية التي جرت داخل النطاقين المكاني والزماني للدولة العثمانية، والحركات العلمية التي ظهرت داخل حدود الدولة العثمانية طوال تاريخها الممتد لـ6 قرون ومسار تطورها".

وبهذا، يقدم الكتاب رؤية جديدة لمحتوى هذا التراث، مما يعني أنه ينبغي ألا تتوقف دراسة التراث العلمي العثماني على ما كتب باللغة التركية وحدها، بل لا بد من النظر إليه من خلال لغات الثقافة الإسلامية الثلاث، العربية والتركية والفارسية، بل إن فيه بعض المكونات -وإن كانت محدودة- المكتوبة باللغات الأوروبية كالفرنسية، خاصة في القرن الـ19، أي في مرحلة التجديد.

أما التراث العلمي التركي -سواء المكتوب باللغة التركية أو الذي أنتجته الشعوب التركية بلغاتها- فهو جزء من التراث العلمي العثماني.

  • إذا قلنا بوجود تراث علمي عثماني منسوب لفترة حكم، وهي فترة العهد العثماني أو الدولة العثمانية، فهل يمكننا القول أيضا إن هناك تراثا علميا عباسيا أو تراثا علميا أمويا وغير ذلك؟

هذا السؤال يدفعنا إلى تعريف مفهوم "عثماني" أولا، فهذا المفهوم هو مفهوم حضاري يشمل النطاق الجغرافي والزماني للدولة العثمانية، ويعني التفاعل بين الثقافات الفارسية والعربية والتركية وشعوبها معا، وهو ما نتج عنه ما تعرف بالثقافة العثمانية.

أما لفظ العثمانية فهو يعني اللغة والثقافة التي تشكلها مجموع الشعوب التي دخلت في فترة من فترات التاريخ تحت إدارة الأسرة العثمانية الحاكمة، وانتمت لفترة من التاريخ إلى تلك الثقافة، وتفاعل رجال العلم بها مع مراكز العلم العريقة في بغداد والقاهرة ودمشق وإيران وبلاد ما وراء النهر، فنجد إسهامات علمية لعلماء من مصر والعراق وتونس ومراكش وإيران وآسيا الوسطى وعلماء ذوي أصول أوروبية، فضلا عن علماء من الأندلس، سواء المسلمون منهم أو اليهود، كلهم أسهموا في الحياة العلمية العثمانية وأنتجوا ما عرفناه بالتراث العلمي العثماني.

أما ما يتعلق بسؤالكم عن إطلاق مسمى تراث عباسي أو تراث أموي فإنه يجوز من الوجهة الحضارية، مع الوضع في الاعتبار أن تراث تلك الفترات -سواء الذي أنتجه علماء من شعوب عربية أو غير عربية- لكنه كله مكتوب باللغة العربية وحدها.

  • لماذا يركز الباحثون في العهد العثماني على الجوانب العسكرية والعمرانية والحرفية أكثر من الجوانب العلمية التي لا نكاد نجد لها أثرا؟

إن تاريخ الدولة العثمانية كان وما زال موضوعا لدراسات كثيرة من الباحثين في الشرق والغرب، فاستفاضوا في الكتابة بكل اللغات الشرقية والأوروبية عن مكانة الدولة السياسية ونظمها الإدارية والاجتماعية والاقتصادية.

وعلى الرغم من وفرة هذه الدراسات وتنوعها ظل ما يتعلق بالعلم عند العثمانيين وفعالياتهم العلمية بعيدا عن دائرة الاهتمام العلمي الجاد، ولعل هذا يرجع حسب ما أوضحه الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو في كتابه "التراث العلمي العثماني" إلى الأحكام المسبقة التي أطلقت على غير أساس علمي سليم، بوصف الحياة العلمية الإسلامية بعد الدولة العباسية على عمومها بالركود، بل والجمود أحيانا، ولقي هذ القول رواجا بين أغلب الباحثين وتعاملوا معه من منطلق الحقيقة التي لا تقبل الشك وأداروا عليها بحوثهم.

كتاب التراث العلمي العثماني
السلاطين العثمانيون والأمراء وكبار رجال الدولة بسطوا رعايتهم على العلماء وشجعوهم على التأليف (الجزيرة)
  • ما هي مكونات التراث العلمي العثماني أو موضوعاته؟ بمعنى، هل برزت تخصصات علمية عن غيرها؟ وهل هناك علماء اشتهروا بإنتاجهم العلمي في تلك الفترة؟

كان لجوء العلماء من الأندلس الواقعة في أقصى غرب العالم الإسلامي والبعيدة عن الدولة العثمانية إلى الأراضي العثمانية ثم ضم الشام ومصر والحجاز نقطة تحول في الحياة العلمية العثمانية أضافت إليها أبعادا جديدة وأثرتها بمجموعة مؤلفات جديدة أظهرت من ناحية المستوى الرفيع الذي بلغه علماء تلك البلاد في علمي الفلك والطب، ومن الناحية الأخرى نقل هؤلاء العلماء إلى العثمانيين بعضا من الطب الحديث الذي ظهر مع عصر النهضة.

أما موضوعاته فشملت الطب والفيزياء والرياضيات والموسيقى والفنون العسكرية والفلك وعلم أحكام النجوم والجغرافيا والجيولوجيا، وقد تطور محتوى هذا التراث العلمي بتطور الدولة العثمانية، ففي المرحلة الكلاسيكية انصب الاهتمام على الطب والفلك وعلم أحكام النجوم، ومع تطور حركة الكشوف الجغرافية اتجه الاهتمام بشكل أوضح إلى الجغرافيا، حيث بدأت الترجمة عن اللغات الأوروبية في عصر السلطان سليم الأول والسلطان سليمان القانوني بهدف نقل معارف الغرب في الجغرافيا والبحرية إلى رجال البحرية العثمانية وتعريفهم بها والاستفادة مما احتوته كتب الأوروبيين من خرائط ومعارف.

وفي هذا الإطار، ترجمت عدة كتب جغرافية مهمة عن اللغات الأوروبية مثل كتاب "أطلس مينور" (Atlas Minor) الذي وضعه مركاتور (توفي عام 1594) عن جغرافيا العالم وترجمه كاتب جلبي إلى اللغة التركية باسم "لوامع النور في ظلمة أطلس مينور"، والمؤلف الآخر هو "أطلس ماجور" (Atlas Major)، الذي وضعه عالم الجغرافيا الأيرلندي جانزون بليو (توفي عام 1638) وترجمه أبو بكر بن بهرام الدمشقي (توفي عام 1691) باسم "نصرة الإسلام والسرور في تحرير أطلس ماجور".

كما نرى عددا من علماء تلك البلاد وإسهاماتهم في التراث العثماني، منهم الفلكي علي القوشجي السمرقندي صاحب "الرسالة المحمدية في الحساب"، وفتح الله الشيرواني صاحب "شرح التذكرة في الهيئة"، والطبيب موسى بن هامون (توفي عام 1544)، وموسى بن غالينوس صاحب "رسالة في طبائع الأدوية"، وإبراهيم الرباش المغربي صاحب كتاب "العز والمنافع في المجاهدين في سبيل الله بالمدافع"، وعالم الرياضيات ابن حمزة المغربي صاحب "تحفة الأعداد"، وتقي الدين الراصد الدمشقي في الفلك، وعائلة القوصوني المصري في الطب، وغرس الدين أحمد بن إبراهيم النقيب في الرياضيات والطب، وابن العنز اليمني في الفلك.

  • هل يمكن تقسيم التراث العلمي العثماني إلى فترات أو حقب متميزة؟

نعم، يمكننا تقسيم التراث العلمي العثماني إلى مرحلتين أساسيتين، هما المرحلة الكلاسيكية ومرحلة التجديد، بينهما مرحلة انتقالية:

في المرحلة الكلاسيكية أخذ العلماء العثمانيون بتقاليد العلم الإسلامي ومصطلحاته، وفي تلك المرحلة تمت ترجمة أهم المؤلفات العلمية عن اللغتين العربية والفارسية إلى اللغة التركية العثمانية مثل كتاب "المفردات" لابن البيطار، و"القانون" لابن سينا، وكتاب "الجغرافيا" لبطليموس، وكتاب "الفيزياء" لأرسطو، وقد كان رجال العلم العثمانيون ممن تلقوا تعليما جيدا في الفترة الكلاسيكية على عمومهم يتقنون الألسنة الثلاثة، أي اللغات العربية والتركية والفارسية.

أما في القرن الـ17 فقد استمرت هذه الحركة بنقل العلم الأوروبي الحديث إلى اللغة التركية عن طريق ترجمة الكتب الأساسية المكتوبة باللغات الأوروبية أو الاستفادة الموسعة من مصادر العلم الأوروبي.

وتواكبت حركة نقل العلم الحديث عن اللغات الأوروبية التي بدأها رجال البحرية العثمانيون مع وصول العلماء الذين فروا من الأندلس ولجؤوا إلى الدولة العثمانية، فقد أحاطوا العثمانيين علما بالتطورات العلمية والتقنية الأوروبية، خاصة في الطب والمدفعية، وبدؤوا في نقل المؤلفات المتعلقة بالعلم الحديث -التي ظهرت في أوروبا- إلى اللغة التركية.

ثم كان انتقال العلوم العثمانية من المرحلة الكلاسيكية إلى مرحلة العلم الحديث بصورة تدريجية، إذ إن هناك مرحلة وسطى بين المرحلتين اجتمعت فيها تقاليد العلم الكلاسيكي مع تقاليد العلم الحديث، فقد احتوت الكتب المؤلفة أو المترجمة عناصر من التراث الكلاسيكي (التركي-الإسلامي)، إلى جانب المعارف العلمية الحديث ذات المنشأ الأوروبي.

ويمكن تبين هذا النموذج في الكتب الموجهة إلى عامة القراء، إذ احتوت تلك الكتب على أمثلة عن مركزية الأرض وعن مركزية الشمس للكون في كتاب واحد، كما نجد في الطب نماذج مشابهة، فنجد نظرية الأخلاط الأربعة بجانب النظريات الفسيولوجية الحديثة، كما ترجمت كتب عن اللاتينية والفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية وسائر اللغات الأوروبية.

بعدها انفتح العثمانيون على العلم الأوروبي مع افتتاح المدارس الطبية والحربية والإعدادية والسلطانية والرشدية في القرن الـ19 ودعوة المعلمين من أوروبا وزيادة أعداد الطلاب الموفدين إلى أوروبا، إذ بدأت تنشئة رجال علم يتقنون اللغات الأوروبية اضطلعوا بترجمة الكتب العلمية الكثيرة التي ظهرت في الغرب ترجمة سليمة والكتابة على منوالها.

وفي القرن الـ19 أصبحت التجارب العلمية الحديثة وتطبيقها وإجراؤها في المعامل المتوفرة داخل المؤسسات التعليمية الحديثة هي الأمر الغالب في تعليم العلوم، كالطب والكيمياء وعلم النبات وعلم الحيوان.

كما تتبع العثمانيون عن كثب أحدث التطورات العلمية الأوروبية في كل ما يتعلق بالصحة العامة، خاصة اللقاح والميكروبيولوجي، وأقيم معمل لإنتاج لقاح داء الكلب سنة 1887 بالتعاون بين الأطباء العثمانيين والأطباء الذين استدعوا من أوروبا، ثم أقيم معمل للبكتريولوجي سنة 1894 لمكافحة وباء الكوليرا، ومركز للأرصاد الجوية في إسطنبول سنة 1868 أسندت إدارته إلى اليوناني أرستيد كومباري.

ثم كان لإنشاء أول كلية للعلوم في دار الفنون -التي أعيد تشكيلها سنة 1900- طفرة للعلم الحديث في الدولة العثمانية والعالم الإسلامي، إذ كان اشتغال الأساتذة الألمان فيها خلال السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية نقطة تحول في البحث العلمي، خاصة في كلية العلوم، وتشكيل بنية حديثة (المعاهد والمعامل والمتاحف وحدائق النباتات) ونشر البحوث الأصيلة والمقالات المترجمة في مجلات متخصصة، كل هذا لعب دورا مهما في ترسيخ مفهوم مثمر ومبتكر للعلم الحديث.

التراث العثماني
الاهتمام بتاريخ العلوم في العالم العربي بدأ متأخرا وهو غير مستقر على العموم (شترستوك)
  • ما هو موقف السلاطين العثمانيين من العلوم؟ هل فيهم من عرف بدعمه للعلوم والعلماء مثلا؟

بعد أن تجاوزت الدولة العثمانية مرحلة التأسيس وفترة الانكسار التي أعقبت هزيمة أنقرة عام 1402 ميلادي على يد تيمورلنك، وتمكنت من إرساء مؤسساتها على أسس متينة، واستقرار الأتراك المسلمين في مجتمع المدينة وانتشار المدارس بسط السلاطين العثمانيون والأمراء وكبار رجال الدولة رعايتهم على العلماء وشجعوهم على التأليف وأغدقوا عليهم، وهكذا بدأت الفعاليات العلمية تأخذ مكانها في الدولة، وكان اهتمام رجال الدولة بهذه الفعاليات العلمية واحدا من أكبر بل وأهم العوامل التي أضفت الحيوية على البيئة العلمية وأثرت فعالياتها.

وبعد فتح إسطنبول اتخذها العثمانيون عاصمة جديدة لهم بعد أدرنة، وبسط السلطان محمد الفاتح رعايته على رجال العلم، إذ كان هو نفسه مشتغلا بموضوعات العلم شغوفا بها، ودعا العلماء البارزين إلى الدولة العثمانية واهتم بهم وأغدق عليهم، وصارت إسطنبول مقصد العلماء وقبلتهم، كما وجد العلماء العثمانيون منه كل التقدير والتوقير، فقد دعا السلطان الفاتح عالم الفلك والرياضيات علي القوشجي السمرقندي إلى إسطنبول وأدخله في خدمته وأغدق عليه، هذا فضلا عن تشجيعه المناظرات العلمية في مجالسه.

واستمر الاهتمام بالعلم والعلماء من السلاطين العثمانيين كافة، والسلطان محمد الفاتح خاصة، إذ كان أكثرهم اهتماما بالعلم ورعاية للعلماء، وحذا بايزيد الثاني (1481-1512) حذو أبيه الفاتح وزاد عليه، فقد ورث البيئة العلمية النابضة بالحياة التي كانت في زمن أبيه.

وحدثت زيادة مطردة في اهتمام ورعاية السلاطين العثمانيين ورجال الدولة للعلم ورجاله على مدار القرنين الـ15 والـ16، ثم شهد القرن الـ17 تراجعا في هذا الاهتمام جراء عدم الاستقرار السياسي للدولة، غير أنه ازداد مرة أخرى في القرن الـ18، وإن كان بشكل محدود نسبيا.

كان اهتمام السلاطين بالعلوم الرياضية والطبيعية ودعمهم لها وللمشتغلين بها محفزا لبعض رجال العلم، فكتبوا أعمالا علمية في موضوعات محددة برغبتهم الشخصية أو بناء على تكليفهم بتأليف أو ترجمة بعض الكتب المهمة في موضوعات بعينها، فقام جورج أميروتزس (توفي عام 1475) بترجمة "الجغرافيا" لبطليموس من اليونانية إلى اللغة العربية بطلب من السلطان الفاتح، وترجم أبو بكر بن بهرام الدمشقي كتاب "نصرة الإسلام والسرور في تحرير أطلس ماجور" عن اللاتينية بأمر من السلطان محمد الرابع.

واستمرت رعاية رجال الدولة العثمانية ودعمهم للعلم والفنون على امتداد التاريخ العثماني حتى الفترة الأخيرة من عمر الدولة، استجابة لحاجة العصر من ناحية واهتمامهم الشخصي بالعلوم والفنون من ناحية أخرى.

* للاستخدام الداخلي فقط *** الدكتورة ماجدة مخلوف
الدكتورة ماجدة مخلوف: بدأ التفاعل العلمي العثماني والأوروبي منذ زمن السلطان الفاتح (مواقع إلكترونية)
  • كيف كان التفاعل بين الإنتاج العلمي العثماني والأوروبي؟

بدأ التفاعل العلمي العثماني والأوروبي منذ زمن السلطان الفاتح، فاعتبارا من القرن الـ15 بدأ العثمانيون في نقل التقنية الأوروبية، خاصة في مجال الأسلحة النارية ورسم الخرائط والتعدين، وأصبحوا في الوقت ذاته على اتصال أوثق بعلوم الفلك والطب التي ظهرت في عصر النهضة الأوروبية عن طريق العلماء اليهود الذين لجؤوا إلى الدولة العثمانية.

وكان جوار الدولة العثمانية لأوروبا وحدودها المشتركة معها عاملا مؤثرا في جعل الدولة العثمانية أول دولة خارج نطاق العالم الأوروبي ينتشر فيها العلم والتقنية الأوروبية، فثقافة العثمانيين الغنية وحيوية الحياة العلمية عندهم التي غبطهم عليها الأوروبيون جعلتهم على علم بالاكتشافات والمخترعات الحديثة التي ظهرت في أوروبا، لكنها في الوقت نفسه جعلتهم يتخذون موقفا انتقائيا من هذه الاكتشافات العلمية والتكنولوجية فلا ينقلون منها إلا ما يحتاجون إليه، وبدأت حركة الترجمة عن اللغات الأوروبية، ثم بدأ العثمانيون في التأليف بالاستفادة من تلك المؤلفات.

والتفاعل الأكبر مع العلم الأوروبي بدأ مع حركة التحديث وافتتاح المدارس الطبية والحربية والإعدادية والسلطانية والرشدية في القرن الـ19.

وبعد عام 1800 أصبح فن الحرب والأسلحة علما له أهميته، وصار التحديث المستمر للجيش العثماني مواكبا للتطورات التي تجري في الغرب في هذا الميدان، إذ تسارع تطور الأسلحة والتكتيك العسكري ووسائل الحروب بشكل غير مسبوق، وبإسهامات من كبار العسكريين الأوروبيين.

كما واكب العثمانيون التطورات العلمية الأوروبية في كل ما يتعلق بالصحة العامة وغيرها من المجالات العلمية التي ساهمت في ترسيخ مفهوم مثمر ومبتكر للعلم الحديث، وتوسيع مدارك المعرفة عن طريق البحث العلمي.

المصدر : الجزيرة