دراسة علمية: العزلة تُورث قلة النوم والإفراط في تناول الطعام

تسببت عمليات الحجر المنزلي إثر انتشار فيروس كورونا في زيادة العزلة الاجتماعية. غير أن تأثيرات هذه العزلة على حالة الجسم البيولوجية تعد أمرا يستحق الدراسة.

تتسبب العزلة الاجتماعية في قلة النوم والإفراط في تناول الطعام (غيتي إيميجز)
تتسبب العزلة الاجتماعية في قلة النوم والإفراط في تناول الطعام (غيتي إيميجز)

أفادت دراسة بحثية حديثة، نشرت بدورية "نيتشر" (Nature) في 18 من أغسطس/آب الماضي، أن العزلة الاجتماعية المزمنة لذبابة الفاكهة (Drosophila melanogaster) أحدثت تغيرات في سلوكها. إذ تَسَبَّب أسبوع واحد من العزلة في قلة نومها وإفراطها في تناول الطعام.

ويشير مايكل يونغ -الحاصل على جائزة نوبل عام 2017 وقائد هذا الدراسة- في البيان الصحفي الذي نشره موقع جامعة روكفلر (Rockefeller University) تعقيبا على الدراسة إلى أن "للعزلة الاجتماعية عواقب مَرَضِية مرتبطة بالتغيرات التي تحدث في مجموعة صغيرة من الخلايا العصبية. ولقد بدأنا نفهم الدور الذي تضطلع به هذه الخلايا".

ذبابة الفاكهة من المخلوقات الاجتماعية التي تتصارع في حلبة مصغرة (ويكيبيديا)

كائنات اجتماعية

تعتبر ذبابة الفاكهة من المخلوقات الاجتماعية التي تقتات طعامها في مجموعات، وتنشد طقوس التزاوج المعقدة مع بعضها البعض، وتتصارع في حلبة مصارعة مصغرة. وبعد أن تُنهي أنشطتها اليومية تلك، تخلد ذبابة الفاكهة للنوم 16 ساعة في اليوم مقسمة بين قيلولة منتصف النهار وسبات عميق طوال الليل.

ولذا، فقد شرع الفريق في دراسة الآثار البيولوجية المترتبة على العزلة الاجتماعية المزمنة مستخدمين ذبابة الفاكهة نموذج دراسة. إذ "دوما ما تضعنا ذبابة الفاكهة على المسار الصحيح نظرا للقدر الكبير من التعقيد الذي احتوته هذه الحشرة أثناء مراحلها التطورية. وكلما تعمقنا في دراستها، وجدنا شيئا من الأسس الحاكمة لأنظمتها البيولوجية يظهر أيضا في الثدييات والبشر" كما يقول يونغ.

قام الفريق في البداية بدراسة الكيفية التي يتحرك الذباب بها في ظل ظروف عزل مختلفة. إذ لم يُظهر الذباب الذي وضع في مجموعات -مختلفة العدد- أي سلوك شاذ بعد 7 أيام. وليس ذلك فحسب، بل إن جمع ذبابتين معا وعزلهما عن باقي المجموعة لم يحمل أي تأثير على سلوكهما.

تثبيط عصبونات بي 2 استعاد السلوك الطبيعي لذبابة الفاكهة المعزولة فترة طويلة (بيكسابي)

تغيرات سلوكية

ولكن الأمر تغير تماما عندما عُزلت ذبابة مفردة عن بقية المجموعة. إذ بدأت في تناول الأكل بشكل أكثر، كما أنها نامت فترات أقل.

ولتقصي الأسس البيولوجية المرتبطة بهذه التغيرات الطارئة، قام الفريق بدراسة الجينات المرتبطة بالجوع. إذ لاحظ أن هذه الجينات قد تم التعبير عنها بشكل مختلف في أدمغة الذباب المعزول عن بقية المجموعة. إذ تُؤصّل هذه العلاقة التي تمت ملاحظتها لوجود ارتباط بين العزلة الاجتماعية والإفراط في تناول الطعام.

كما لاحظ الفريق أن مجموعة صغيرة من الخلايا العصبية -التي تعرف باسم عصبونات بي 2 (P2 neurons)- قد ارتبطت بإحداث تغيرات ملحوظة في السلوك الخاص بالنوم والتغذية.

ولعكس التأثير الذي أحدثته العزلة الاجتماعية في ذبابة الفاكهة، قام الفريق بتثبيط عصبونات بي 2 في الذباب الذي تم عزله فترات زمنية مطولة. إذ استعاد هذا التثبيط السلوك الطبيعي للذبابة، ونتج عنه الحد من الإفراط في تناول الطعام، كما أدى لاستعادة النوم.

وللتأكيد على الدور الذي تلعبه عصبونات بي 2، قام الفريق بتنشيط هذه الخلايا في الذباب المعزول ليوم واحد فقط. الأمر الذي استعاد فرط التغذية وقلة النوم في الذباب، وكأنها كانت معزولة عن المجموعة لأسبوع كامل.

العزلة الاجتماعية والنشاط المغاير لعصبونات بي 2 يتسببان في فرط التغذية وقلة النوم (ويكيبيديا – أندري كارواث)

ارتباط مزدوج

وتُعقب وانهي لي، المؤلف الأول في الدراسة، بأن هذه التجربة استطاعت "خداع الذبابة والإيحاء لها بأنها كانت معزولة فترة طويلة. إذ يبدو أن عصبونات بي 2 ترتبط بإدراك مدة العزل الاجتماعي أو حدة الشعور بذلك العزل، وكأنها تعمل كمؤقت يحصي المدة التي بقيت فيها الذبابة بمفردها".

الجدير بالذكر أن الفريق قام بإجراء العديد من التجارب للتأكد من أن الإفراط في تناول الطعام لم يكن نتيجة لقلة النوم فحسب، دون ارتباطه بالعزلة الاجتماعية.

كما أظهرت تجاربهم أن التلاعب بعصبونات بي 2 في الذباب المُربى بمجموعات لم يؤد إلى الإفراط بتناول الطعام ولا فقدان للنوم، مما يشير إلى أن مزيجا من العزلة الاجتماعية والنشاط المغاير لعصبونات بي 2 كانا سببا في فرط التغذية وقلة النوم.

ويبدو أن هذين السلوكين يرتبطان بشكل كبير بالعزلة الاجتماعية في العديد من الحيوانات بدءا من ذبابة الفاكهة حتى البشر. إذ يعتقد يونغ أن العزلة الاجتماعية تشعل فتيل القلق الفطري بشأن المستقبل. ولذا فإن هذه الحيوانات تحاول الاستعداد للأوقات الصعبة بتوخيها الحذر ومحاولة اليقظة كلما أمكنها ذلك، وتناول الطعام كلما أتيح لها.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

البروفيسور بيير فيليب رئيس قسم طب النوم بجامعة بوردو الفرنسية يكشف عن أسرار النوم، وأسباب الأرق، وتأثير الجينات والساعة البيولوجية، والقلق والإرهاق، ودرجة الحرارة والتهوية ونوع طعام ما قبل النوم.

2/9/2020

تأكد العلماء لأول مرة أن البكتيريا غير الضوئية لديها ساعة بيولوجية، ويمكنها تحديد الوقت، ويؤكد الباحثون أن لهذا الاكتشاف آثارا كبيرة على توقيت تعاطي الأدوية، والتكنولوجيا الحيوية، وحماية المحاصيل.

13/1/2021
المزيد من علوم
الأكثر قراءة