بعد تعثر مشروع ناقل البحرين.. البحر الميت يواجه الجفاف والاختفاء البطيء

بين جملة المخاطر البيئية والاقتصادية والسياحية، يبقى البحر الميت يواجه خطر فقدانه يوما بعد يوم، وصولا لقيعان ملحية وبحيرة صغيرة بمياه ضحلة بعد 50 عاما من الآن.

استمرار انحسار مياه البحر الميت يخلف آثارا بيئية واقتصادية خطيرة (الجزيرة)
استمرار انحسار مياه البحر الميت يخلف آثارا بيئية واقتصادية خطيرة (الجزيرة)

البحر الميت جنوب غرب الأردن – ينقُل الشاب العشريني خالد الجعارات أخشابه ومقاعده نزولا باتجاه البحر لإقامة استراحة جديدة لاستقبال السياح وزوار البحر الميت، فـ "المياه تنحسر عاما بعد عام، وتظهر صخور وبقع ملحية جديدة، لم نكن نراها من قبل" كما يقول الجعارات.

يضيف للجزيرة نت "شواطئ البحر الميت تتوسع على حساب المياه، وكلما نقصت كميات المياه بالبحر نضطر لنقل الاستراحات لأماكن جديدة قريبة من المياه، فالاستراحة المقامة اليوم كانت مغمورة بالمياه خلال الأعوام السابقة".

انحسار مياه البحر الميت يحرم الكثير من الزوار والمرضى من التمتع بمياهه العلاجية (الجزيرة)

تراجع عدد الزوار

"انخفاض كميات المياه في البحر الميت حرمت الكثير من الزوار والمرضى التمتع بمياهه وطينته العلاجية" كما يقول للجزيرة نت الثلاثيني عمر الحويطي العامل في خدمة الزوار على شواطئ البحر الميت.

ويضيف الحويطي: تراجعت أعداد الزوار للبحر الميت نتيجة اتساع مساحة الشاطئ، وانخفاض المياه عن مستوى الشارع لمسافات بعيدة، أدى ذلك لحرمان المرضى القاصدين مياه البحر الميت وطينته للاستشفاء من الوصول لتلك المناطق.

هذه المشكلة ستؤدي -وفق خبراء- لجفاف مياه البحر الميت، خاصة وأنه يفقد من مياهه بمعدل متر سنويا، ويرجع ذلك لحالة التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وشح الأمطار هناك، وضعف تزويد البحر بالمياه من الروافد النهرية المعتادة، خاصة نهر الأردن.

ونتج عن ذلك ظهور جزر ملحية على طول امتداد شواطئ البحر الميت، توضح حالة انحسار المياه، وحفر انهدامية نتيجة تراجع مستوى البحر، وزيادة اتساع الشاطئ من متر إلى 1.5 متر سنويا، ونقصان أعماقه بمعدل متر.

وقد سجلت مساحة مسطح البحر المائية تراجعا إلى 650 كيلومترا للعام 2019، بعدما كانت 950 كيلومترا عام 2000، وانخفض مستوى البحر ليبلغ 22 مترا خلال 20 سنة الماضية.

جزر ملحية على طول امتداد شواطئ البحر الميت توضح حالة انحسار المياه (الجزيرة)

مصادرة إسرائيل للمياه

مشكلة جفاف البحر الميت بدأت منذ 54 عاما، كما يقول وزير المياه الأردني السابق رائد أبو السعود، وذلك بعد الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية عام 1967، ومصادرة كميات كبيرة من مياه نهر الأردن لمشاريع زراعية، وتجفيف بحيرة الحولة في مناطق بيسان، ووقفها عن تزويد البحر الميت بالمياه.

ويضيف أبو السعود للجزيرة نت قبل هذا الاحتلال كان يصل البحر الميت مليار و350 مليون متر مكعب من المياه من نهر الأردن سنويا، لكن قيام الجانب الإسرائيلي بنقل تلك المياه لمشاريع زراعية، جنوب فلسطين المحتلة، حرم البحر من 1.1 مليار متر مكعب، وبات يصل البحر 250 مليون متر سنويا فقط.

وتابع أن الأردن كان يعول على مشروع ناقل البحرين الأحمر والميت لـ "إنقاذ البحر الميت من الجفاف، من خلال تزويده بكميات كبيرة من المياه، لكن تعثر المشروع سيحول دون إنقاذه، وسيبقى البحر الميت يواجه مشكلته وحيدا".

ووقع الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية على اتفاق لتنفيذ مشروع ناقل البحرين، إلّا أن "التعنت الإسرائيلي لحكومة نتنياهو السابقة حال دون تنفيذ المشروع" وفق مصدر رسمي.

وتقوم فكرة المشروع على ربط البحرين الأحمر جنوبا والميت شمالا بواسطة قناة، وذلك ‏لرفع منسوب البحر الميت من خلال تزويده بكمات من المياه تصل في مرحلتها النهائية 700 مليون متر مكعب سنويا.

مشكلة جفاف البحر الميت بدأت منذ 54 عاما مع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين (الجزيرة)

فقدان المياه الجوفية وتأثر السياحة

ولا تقف مشكلة انحسار مياه البحر عن ذلك الحد، بل تهدد بـ "انهيار النظام البيئي في منطقة هي الأندر على مستوى العالم" وفق الرئيس التنفيذي لجمعية أصدقاء البحر الميت زيد السوالقة.

السوالقة قال للجزيرة نت إن انخفاض مياه البحر الميت أدى إلى "فقدان المياه الجوفية التي يعتمد عليها سكان المناطق القريبة في الشرب والزراعة، وذلك بعد سيلانها باتجاه البحر، وغورها لطبقات أرضية أعمق، وحدوث حفر خسفية وانهيارات، بسبب تركيبة التربة هناك، وتراجع كميات المياه في البحر".

ويرى في تعثر مشروع ناقل البحرين "ضياع الفرصة الأخيرة لإنقاذ البحر الميت، خاصة وأن الجانب الرسمي لا يملك أية خطط أو مشاريع لإنقاذه" داعيا المجتمع الدولي ومنظمات حماية البيئة للتدخل لإنقاذ هذا الإرث العالمي.

ويعتبر البحر الميت أخفض بقعة في العالم، إذ يزيد انخفاضه عن مستوى سطح البحر الأحمر 436 مترا، ويشكل عنصر جذب للسياح والمرضى الذين يقصدون مياهه للعلاج، ويتجاور البحر الميت مع موقع مغطس السيد المسيح عليه السلام جنوب نهر الأردن.

البحر في انحسار يومي والمساحات الترابية الملحية الجديدة تتوسع (الجزيرة)

لكن مشكلة انحسار مياه البحر الميت باتت تشكل "معضلة للفنادق والمنشآت السياحية القائمة على شواطئ البحر" وفق المستثمر بقطاع الفنادق ميشيل نزال، مضيفا "البحر بانحسار يومي والمساحات الترابية الملحية الجديدة تتوسع، وباتت تشكل خطورة على الاستثمارات".

وتابع نزال في حديث للجزيرة نت "المساحات المكشوفة الجديدة تزيد على 500 متر انخفاضا في بعض المنشآت، مما يحول دون وصول السياح خاصة كبار السن لمياه البحر العلاجية" إضافة لخطورة تلك المساحات من وقوع حفر انهدامية خسفية مستقبلا.

أضرار صناعية

الخبير في مجال المياه والبيئة دريد محاسنة وصف مستقبل البحر الميت بـ "المخيف" خاصة بعد توقف مشروع ناقل البحرين ووقف تزويده من مياه البحر الأحمر، مع تراجع الهطول المطري وإقامة المزيد من السدود على مجاري الأودية التي تغذي البحر بالمياه.

الضرر من انحسار مياه البحر الميت سيطول القطاعات الصناعية الملحية (الجزيرة)

وتابع للجزيرة نت أن حالة الضرر من انحسار مياه البحر الميت ستطول القطاعات الصناعية الملحية المقامة على جوانبه، خاصة صناعة البوتاس والبرومين وغيرها.

وبين جملة المخاطر البيئية والاقتصادية والسياحية، يبقى البحر الميت يواجه خطر فقدانه يوما بعد يوم، وصولا إلى قيعان ملحية وبحيرة صغيرة بمياه ضحلة بعد 50 عاما من الآن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة