الكشف عن سر الأكوام الهائلة من العظام داخل كهف "أم جرسان" السعودي

كهف أم جرسان.. الموقع ومشاهد من الداخل والخارج (أركيولوجيكال آند أنثروبولوجيكال ساينسز)

اكتشف علماء الآثار كومة كبيرة من العظام داخل كهف بركاني في المملكة العربية السعودية. وبحسب دراسة علمية جديدة، تعود هذه العظام إلى 14 نوعا مختلفا من الحيوانات إلى جانب عظام بشرية تم جمعها على مدى 7 آلاف عام الأخيرة.

ونشرت الدراسة التي قام بها باحثون من هيئة المسح الجيولوجي السعودية ومعهد ماكس بلانك الألماني (Max Planck Institute) في دورية "أركيولوجيكال آند أنثروبولوجيكال ساينسز" (Archaeological and Anthropological Sciences) العلمية مؤخرا.

أكوام العظام متناثرة داخل الكهف بعضها يعود إلى حوالي 7 آلاف عام (أركيولوجيكال آند أنثروبولوجيكال ساينسز)

كهف "أم جرسان" الغامض

يقع الكهف في منطقة حارة بني راشد الصحراوية شرق خيبر على بعد 130 كيلومترا شمال المدينة المنورة في السعودية، ويعرف بكهف "أم جرسان". وهو مكون من 3 ممرات لأنابيب الحمم البركانية مفصولة بانهيارين، ويبلغ طولها الإجمالي 1481.2 مترا، مما يجعلها أطول نظام كهفي تم مسحه في شبه الجزيرة العربية بأكملها.

ويعتقد الباحثون، بحسب تقرير الموقع الإخباري العلمي "ساينس ألرت" (Science Alert)، أن أنبوب الحمم البركانية أم جرسان هو أحد أنابيب الحمم البركانية الكثيرة المنتشرة في المنطقة، وهي كهوف تشكلت داخل حمم بركانية قريبة من بركان يعود لآلاف السنين.

وقد قام الباحثون بدراسة هذه الممرات لأول مرة عام 2007 وذكروا حينها أنهم سمعوا أصواتا منبعثة من أعماق الكهف لكنهم لم يتوغلوا بداخله.

عينة من قطع العظام التي عثر عليها وتعود لأنواع مختلفة من الحيوانات (أركيولوجيكال آند أنثروبولوجيكال ساينسز)

البحث عن الفاعل

في الدراسة الجديدة، اكتشف الباحثون أكواما من مئات الآلاف من العظام في أنحاء مختلفة من الكهف وقاموا بجمع 1917 عظمة منها لدراستها ومعرفة مصدرها.

وتوصلوا إلى تحديد موقع 1073 عظما في هياكل أنواع مختلفة من الحيوانات كالماشية والإبل والخيول والقوارض والذئاب والثعالب والعديد من الحيوانات الأخرى، بالإضافة إلى بقايا جماجم بشرية، وفقا للمصدر نفسه.

كما أظهر اختبار التأريخ بالكربون المشع لعينة من 13 عظمة، أن أعمارها تتراوح بين 439 و6839 عاما، وأن ما يقرب من نصفها يحمل آثار حيوانات آكلة للحوم، كعلامات القضم التي تظهر في شكل حفر للأسنان على العظام.

الضبع المخطط جمع أكوام العظام داخل الكهف على مدى آلاف السنين (غيتي)

عرين الضباع

من المرجح، حسب الباحثين، أن تكون هذه الأكوام الهائلة من العظام قد جُمعت على مدى آلاف السنين بواسطة الضبع المخطط الذي تم العثور على بقاياه الهيكلية أيضا في الكهف، إلى جانب فضلاته المتحجرة.

حيث تقوم هذه الحيوانات اللاحمة بنقل فرائسها الصغيرة بالكامل إلى هذا المخبأ، لكنها لا تحمل إليه سوى أجزاء من أشلاء الحيوانات الأكبر حجما.

غير أنهم لا يستبعدون، وفقا للمصدر ذاته، أن تكون أنواع أخرى من الحيوانات، مثل الثعالب أو الذئاب قد جمعت بعضا من هذه العظام. لكن الفريق يقول إن الأدلة تشير إلى الضباع، فالذئاب لا تقوم عادة بنقل العظام بعيدا عن موقع قتل فرائسها، إضافة إلى أن الثعالب لا تستطيع حمل مثل هذه الفرائس الكبيرة أو التهامها بسهولة.

كما يشير وجود بقايا جماجم بشرية إلى الضباع المخططة المعروفة بالتنقيب في المقابر البشرية بحثًا عن اللحوم.

وكتب الباحثون في الدراسة أنه "إذا أخذنا في الاعتبار الحجم الكبير للأكوام، والوفرة المفرطة والمعالجة المكثفة لعظام ذوات الحوافر، ووفرة الضباع المخططة وبقايا الجماجم البشرية، فإن ذلك يشير إلى أن كهف "أم جرسان" كان بمثابة عرين للضبع المخطط، وفي بعض الأحيان وكرا للأمهات".

ويعتقد الباحثون أن الأصوات المنبعثة من داخل الكهف، التي رصدها الباحثون قبل سنوات، تشير إلى أنه لا يزال بمثابة وكر للحيوانات آكلة اللحوم.

ما فائدة هذا الاكتشاف؟

يرى مؤلفو الدراسة أن تراكم العظام في أم جرسان على مدى 7 آلاف عام يدل على الظروف الممتازة للحفاظ على العظام داخل أنبوب الحمم، وأن هذه الأكوام يمكن أن تكون بمثابة كبسولة زمنية للمساعدة في فهم عصور ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية القديمة.

وكتب ماثيو ستيوارت، عالم الآثار في معهد ماكس بلانك للإيكولوجيا الكيميائية في ألمانيا وأحد مؤلفي الدراسة، في تغريدة على موقع تويتر "في منطقة يكون فيها الحفاظ على العظام في أسوأ حالاتها، تزودنا مواقع مثل أم جرسان بمصدر تاريخي جديد رائع".

وأضاف ستيوارت أن "هذه الدراسة هي مجرد البداية"، وهو يأمل في أن يكون لأم جرسان والمواقع المماثلة دور في فهم البيئة القديمة للمنطقة.

المصدر : ساينس ألرت + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

دخلت الباحثة الجزائرية حسينة موري أستاذة الجيولوجيا الطبية بجامعة جوهانسبرغ تاريخ علوم الأرض بعد انتخابها نائبة لرئيس الاتحاد الدولي لعلوم الجيولوجيا كأول عربية وأفريقية لفترة تمتد إلى عام 2024.

Published On 19/11/2020
المزيد من علوم
الأكثر قراءة