نظام استشعار ثوري يكشف أدق خصائص الحياة من على متن طائرة

نظام يمكنه اكتشاف وتمييز النباتات والطحالب المختلفة، من فوق مروحية سريعة الحركة، سيساعدنا في البحث عن حياة خارج كوكب الأرض.

مسار مروحية حملت نظام الاستشعار المتطور (جامعة برن-غوغل إيرث)

ارفع يديك أمام وجهك. بالنسبة لمعظم الناس، ستشكل الكفان نسختين معكوستين لبعضهما البعض وسوف تتطابقان، كأن إحداهما صورة مرآة للأخرى.

تعتبر اليد اليسرى واليمنى صورة معكوسة مثالية لبعضهما البعض، لا يمكن تركيبها على بعضها نظرا لأن اتجاه الأصابع منعكس، وهذا هو السبب في أن القفاز الأيسر لا يمكن ارتداؤه في اليد اليمنى.

في حقيقة الأمر تُظهر الجزيئات أيضا هذا الأسلوب المميز، وهي خاصية مهمة في بعض فروع العلم، ولكننا لسنا متأكدين من سبب حدوث هذه الخاصية. مع ذلك يعتقد العلماء أن هذه الخاصية أساسية للحياة.

مؤخرا استطاع العلماء الكشف عن تلك الخاصية الرائعة من على متن مروحية تحلق بسرعة 70 كيلومترا في الساعة على ارتفاع كيلومترين. ومن المقرر نشر بحثهم قريبا في دورية "أسترونومي آند أستروفيزيكس" (Astronomy & Astrophysics).

خاصية عدم التناظر تشبه الفرق بين اليدين اليمنى واليسرى (ناسا)

خاصية "عدم التناظر"

القراء السريعة للتسمية العلمية لهذه الخاصية قد تسبب التباسا لدى البعض، فالمصطلح العلمي لها "عدم التناظر" أو"الكيرالية" (Chirality)، وتأتي تلك الخاصية لوصف شكلين متشابهين ومعكوسي الاتجاه، مثل اليد اليسرى واليمني.

وبشكل أدق قد توصف هذه الخاصية في بعض الأحيان بتجانس عدم التناظر المرآتي (Homochirality)‏. وهي تعدّ من الاعتبارات الأساسية عند مناقشة الكيمياء الفراغية.

فمعظم الجزيئات الحيوية مرايا، ومن غرائب الحياة الرائعة أن جميع الجزيئات الحيوية تقريبا ستعمل فقط في أحد شكليها، على سبيل المثال فقد يكون هناك جزيء نشط كيميائيا في صورة اليد اليمني، وخاملا في نفس الصورة المماثلة لصورة اليد اليسرى.

الأحماض الأمينية الطبيعية غالبا ما تكون في صورة اليد اليسرى، والسكريات الطبيعية مثل تلك التي تشكل الأحماض النووية، من ناحية أخرى، غالبا ما تكون في صورة اليد اليمنى. وإذا استبدلت أي من هذه الجزيئات بالشكل الآخر، فإن النظام بأكمله ينهار.

أقلعت المروحية التي تحمل على متنها "فلايبول" من مطار موتيرز (لوكاس باتي-جامعة برن)

"فلايبول"

إذا كان بإمكاننا اكتشاف خاصية عدم التناظر هذه من مكان مرتفع عن سطح الأرض، فسيمكننا ذلك العمل من البحث عن حياة على الكواكب الأخرى، حتى هنا على الأرض، ستكون القدرة على قياس هذه الإشارات من الارتفاع مفيدة جدا، لأنها يمكن أن تكشف عن معلومات هامة حول صحة النباتات على سبيل المثال.

أوضح الفيزيائي لوكاس باتي من جامعة برن (University of Bern) في سويسرا، في بيان صحفي للجامعة، أنه "عندما ينعكس الضوء على مادة بيولوجية، فإن جزءا من الموجات الكهرومغناطيسية للضوء سوف ينتقل إما في اتجاه عقارب الساعة أو عكس اتجاه عقارب الساعة". لكن هذه الإشارة ضعيفة للغاية، حيث يشكل الاستقطاب الدائري للنباتات أقل من 1% من الضوء المنعكس.

يُطلق على الأداة التي يمكنها اكتشاف إشارة الضوء المستقطب "مقياس الطيف" وقد عمل باتي وفريقه لعدة سنوات على تطوير مقياس طيفي حساس للغاية لاكتشاف الاستقطاب الدائري للنباتات يطلق عليه "تريبول" (TreePol) وهو مقياس للطيف يمكنه اكتشاف الاستقطاب الدائري بشكل إيجابي من على بعد عدة كيلومترات.

ثم كان التطوير التالي الذي قام به باتي وفريقه بتكييف "تريبول" للطيران مع أجهزة قياس الطيف المطورة والتحكم الإضافي في درجة الحرارة للبصريات. وتمت تسمية هذا النظام الجديد والمتطور للقياس باسم "فلايبول" (FlyPol).

نظام "فلايبول" المحمول على متن المروحية (لوكاس باتي-جامعة برن)

تقدم كبير

المثير في الأمر هو قدرة نظام فلايبول على إجراء قياس إشارات الاستقطاب الدائري الضعيفة من منصة تتحرك وتهتز، وهي مروحية في هذه الحالة، في غضون ثوانٍ، وتمييزها عن الأسطح اللاأحيائية، مثل الطرق الإسفلتية.

فضلا عن ذلك، يمكن للفريق استخدام نظام فلايبول للتمييز بين أنواع مختلفة من النباتات، مثل العشب والغابات وحتى الطحالب في البحيرات، كل ذلك من مروحية سريعة الحركة.

قال الباحثون إن هذا يمكن أن يقدم طريقة جديدة تماما لمراقبة صحة النظم البيئية النباتية المختلفة، وربما حتى الشعاب المرجانية. لكنهم لم ينتهوا من صقله بعد.

ويسعى الفريق لتطوير النظام ليعمل بسرعة تقارب 27.580 كلم/ساعة وارتفاع 400 كلم (مدار أرضي منخفض). وقال عالم الفيزياء الفلكية بريس أوليفييه ديموري من جامعة برن "الخطوة التالية التي نأمل أن نتخذها هي إجراء اكتشافات مماثلة من محطة الفضاء الدولية، بالنظر إلى الأرض".

عند هذا الارتفاع، لن تكون الدقة جيدة، ربما من 6 إلى 7 كيلومترات، لكنها ستكون قادرة على مساعدة الباحثين على تحسين مقياس طيف الاستقطاب، ومعرفة مدى نجاحه في المقاييس الأكثر تطرفا.

وقال ديموري "سيسمح لنا ذلك بتقييم قابلية الكشف عن البصمات الحيوية على مستوى الكواكب. وستكون هذه الخطوة حاسمة لتمكين البحث عن الحياة داخل وخارج نظامنا الشمسي باستخدام الاستقطاب".

المصدر : ساينس ألرت + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة