هل تُمثّل الأدوية المتسربة إلى المجاري المائية أي خطورة على الكائنات الحية؟

تتسرب المواد الكيميائية الصيدلانية من مصانع الأدوية أو طبيعيا إثر إخراجها في قنوات الصرف الصحي، فيؤدي ذلك إلى اختلاطها بالنظم المائية لكننا لا نعلم مدى الخطورة التي تتسبب فيها.

تعتمد صناعة الدواء على العديد من المواد الكيميائية التي تُسهم في معالجة كثير من الأمراض (بيكساباي)

تعتمد صناعة الدواء على العديد من المواد الكيميائية التي تُسهم في معالجة كثير من الأمراض أو الوقاية منها، غير أن هناك قلقا متزايدا بشأن تسرب بعض هذه الأدوية إلى الممرات المائية مثل الأنهار والبحيرات.

ولتقصّي هذ الأمر، طرحت باحثة الدكتوراه إيفا هامرود في جامعة "كينغز كوليدج لندن" (King’s College London) على 4 من الخبراء في علم السموم والعلوم البيئية هذا التساؤل "هل مستويات المواد الكيميائية الصيدلانية الحالية المتسربة إلى المجاري المائية خطِرة؟".

خطورة تسرب الأدوية الصيدلانية على الحياة في المجاري المائية
أكثر من ألف دراسة رصدت وجود مواد كيميائية صيدلانية في المجاري في 71 دولة (شترستوك)

هل المعدلات الحالية للمواد الكيميائية الصيدلانية المتسربة إلى المجاري المائية طبيعية؟

وحسب ما أشار إليه التقرير الذي نشره موقع "ساينس ألرت" (Science Alert)، فإن دراسة أجريت عام 2014 أمكنها تحديد مستويات من المواد الكيميائية الصيدلانية في 80% من عينات المياه التي جمعت من 30 ولاية أميركية مختلفة.

كذلك أشارت دراسة مرجعية أخرى نُشرت عام 2015 في دورية "إنفايرومنتال توكسيكولوجي آند كيميستري" (Environmental Toxicology Chemistry) إلى أن هناك أكثر من ألف دراسة قد رصدت وجود تلك المواد الكيميائية في 71 دولة في العالم.

ووجدت هذه الدراسة أن هناك ما يزيد على 600 مادة كيميائية صيدلانية مختلفة في البحيرات والأنهار والمياه الجوفية، واشتملت هذه المواد الكيميائية على مضادات حيوية ومسكنات للألم ومركبات مستقبل بيتا (beta-blockers) وهرمونات تنظيم الحمل ومضادات الاكتئاب وغيرها.

كيف ينتهي المآل بالمستحضرات الصيدلانية إلى المجاري المائية؟

هناك العديد من الطرق التي تفضي في النهاية إلى تسرب الأدوية والعقاقير إلى المجاري المائية والبحيرات والأنهار.

وتعدّ قنوات الصرف الصحي من بين هذه الطرق الرئيسة، فعندما نتناول الأدوية فإن أجسامنا تمتص جزءا ضئيلا من مكوناتها الكيميائية، أما الجزء الآخر فيطرح في عمليات الإخراج، وكذلك التخلص من الأدوية بصورة مباشرة وغير صحيحة بسكبها في المرحاض يزيد وجودها في المجاري المائية.

وتتسرب المواد الكيميائية -مثل المضادات الحيوية والهرمونات- أيضا بصورة طبيعية في أثناء الزراعة وتربية الماشية، وهي ممارسات تستخدم كثيرا من المواد الكيميائية لمعالجة الأمراض أو لتحسين الإنتاج.

فضلا عن ذلك، فإن مصانع الأدوية تُساهم أيضا في تسرب المواد الكيميائية الصيدلانية إلى القنوات المائية. فعلى سبيل المثال، عُثر على مستويات عالية جدا من بعض المضادات الحيوية في إحدى محطات معالجة مياه الصرف الصحي القريبة من عدد من مصانع الأدوية في الهند.

وعلى الرغم من أن مياه الصرف الصحي تتم معالجتها، فإن "عمليات المعالجة تلك غير فعالة في منع انتشار المواد الكيميائية الصيدلانية إلى النظام البيئي المائي" كما يذكر برونو نونيس خبير علم السموم في جامعة أفيرو (Aveiro University) في البرتغال.

المستحضرات الكيميائية للإستروجين تتسبب في الإخلال بنسبة ذكور الأسماك إلى الإناث (بيكساباي)

ما تأثير هذه المواد في الحياة المائية؟

لا نمتلك من البيانات الكثير لمعرفة الأثر الكامل لهذه المواد الكيميائية في الحياة المائية، ولكن هناك بعض الأمثلة التي تُظهر أشكالا من التأثيرات السامة في الحياة البرية.

فعلى سبيل المثال، فقد عُثر على دواء "ديكلوفيناك" (Diclofenac) المضاد للالتهاب -والمعروف تجاريا بالفولتارين- في الممرات المائية الاعتيادية. ويمكن لهذا الدواء أن يدمر أنسجة الكلى والجهاز الهضمي في الأسماك، وقد يقضي عليها.

ويُرجِع نونيس ذلك إلى أن "بعض هذه الأدوية قد تتفاعل مع بعض المواد الأخرى فيكسبها التفاعل أحيانا القدرة على الإضرار بوظائف الأعضاء في كثير من الأنواع المائية".

وكذلك فإن الأدوية قد تُضِرّ أيضا بالحياة المائية بطريقة غير مباشرة، إذ يرى مايك غريس -خبير العلوم البيئية في جامعة موناش (Monash University) في أستراليا- أن المستويات الحالية للمخلفات الكيميائية الصيدلانية تعد خطرة، ذلك لأنها "تُحدِث تأثيرات شبه مميتة في النظم البيئية الأساسية مثل عمليات التمثيل الضوئي ودورة المغذيات".

ويستطرد غريس قائلا إن "المخلفات الكيميائية الصيدلانية الموجودة بتركيزات يمكن رصدها في الممرات المائية تُعرف عالميا باسم (مُخِلَّات النظم البيئية)".

على سبيل المثال، فقد ثبت أن المستحضرات الكيميائية للإستروجين -الذي يستخدم كعلاج تعويضي للتغلب على قصور أو توقف إفرازه طبيعيا لدى النساء ويدخل أيضا في أدوية تنظيم الحمل- تتسبب في الإخلال بالنظام البيئي وذلك بتأنيث ذكور أسماك بعض الأنواع، ليفضي ذلك إلى الإخلال بنسبة الذكور إلى الإناث.

مستويات المواد الكيميائية الموجودة في المجاري المائية لا تمثل خطورة على البشر (بيكساباي)

هل هناك خطورة على البشر؟

يذكر الدكتور غريس أن مستويات المواد الكيميائية الصيدلانية الموجودة حاليا في المجاري المائية لا تمثل خطورة على البشر الذين يشربون المياه أو يستعملونها في حياتهم اليومية، ذلك لأنها توجد بتركيزات أقل بكثير من التركيزات التي تُحدِث ضررا بوظائف الأعضاء البشرية.

المصدر : ساينس ألرت + مواقع إلكترونية