لأول مرة منذ 130 عاما.. باحثون ينجحون في تحديد كتلة الكروموسومات البشرية

على الرغم من معرفتنا الموسعة بالجينوم البشري وتعقيداته، فإن سؤالا جوهريا حول كتلة الكروموسومات البشرية ظل لغزا محيرا طوال عقود.

تحتوي الخلية الجسدية البشرية على 23 زوجا من الكروموسومات (غيتي)
تحتوي الخلية الجسدية البشرية على 23 زوجا من الكروموسومات (غيتي)

تحتوي الخلية الجسدية البشرية على 23 زوجا من الكروموسومات (46 كروموسوما) تحمل المادة الوراثية. وتنقسم هذه الأزواج إلى 22 زوجا من الكروموسومات الجسدية (وهي مسؤولة عن تحديد السمات والصفات الجسدية)، وزوج واحد من الكروموسومات الجنسية (وهو المسؤول عن تحديد جنس الإنسان).

ويتكون كل كروموسوم من جزيء واحد من الحمض النووي "دي إن إيه" (DNA) ومجموعة متنوعة من البروتينات التي تؤدي وظائف متعددة.

فعلى سبيل المثال، تقوم هذه البروتينات بطَيِّ وضغط شريط الحمض النووي الذي يبلغ طوله مترين، ليُكوِّن حزما صغيرة يمكنها أن تتكدس مكونة الكروموسومات التي تستطيع أن تتواجد داخل أنوية الخلايا التي يبلغ قطرها 10 مايكرومترات (أي 10 أجزاء من مليون جزء من المتر).

تَطوِي البروتينات شريط الحمض النووي ليتكدس داخل أنوية الخلايا على هيئة كروموسومات (بيكساباي)

كتلة غير معروفة

ويمكن رؤية الكروموسومات باستخدام المجهر الضوئي أثناء مرحلة انقسام الخلية المعروفة بالطور الاستوائي (Metaphase)، والتي تصطف فيها الكروموسومات عند خط استواء الخلية. إذ تظهر هذه الكروموسومات على شكل حرف "إكس" (X)، وتحمل المعلومات الوراثية الخاصة بالكائن الحي، وتُوَرَّث من الآباء إلى الأبناء.

ويتم تصنيف وترتيب هذه الكروموسومات الــ46 وفقا لحجمها وشكلها في عملية تعرف باسم "التنميط النووي" (Karyotyping)، وتعد هذه العملية ذات أهمية خاصة لعلماء الجينات وللأطباء على حد سواء، إذ يمكنهم من خلالها التعرف على وجود أي خلل هيكلي في بناء الكروموسومات، أو أي شذوذ عددي أو جيني قد تنتج عنه أمراض وراثية؛ ومن ثم يمكن استخدامها لتشخيص هذه الأمراض مبكرا.

تُصنِّف عملية التنميط النووي الكروموسومات وفقا لحجمها وشكلها (آندريا بولز وآخرون-ويكيبيديا)

ولذا فإن من المهم معرفة الكتلة التي تشغلها هذه الكروموسومات داخل النواة. وعلى الرغم من أن بعض الطرق التي تهتم بدراسة تسلسل الحمض النووي أمكنها -بشكل غير دقيق- تحديد كتلة الــ"دي إن إيه" أثناء الطور الاستوائي، فإن وزن الكروموسومات التي تستضيف هذه المكونات ظل لغزا محيرا. ويرجع السبب في ذلك -جزئيا- إلى عدم معرفتنا بالكتلة التي يشغلها المكون البروتيني لهذه الكروموسومات حتى الآن.

نهج جديد يقدم الجواب

كان هذا التساؤل محور دراسة جديدة أجراها علماء في كلية لندن الجامعية (University College London) بالمملكة المتحدة، مستخدمين واحدة من أقوى حزم الأشعة السينية المنتجة بواسطة معَجِّل الجسيمات الدوراني التزامني المعروف باسم "دايموند لايت سورس" (Diamond Light Source)، ونشرت نتائج الدراسة في دورية "كروموسوم ريسيرش" (Chromosome Research) في 31 مارس/آذار الماضي.

ولحساب كتلة الكروموسومات، استخدم العلماء نهجا جديدا يعرف باسم "التايكوغرافي" (Ptychography)، تمرر فيه الإلكترونات عبر هذه الكروموسومات لإنتاج نموذج ثلاثي الأبعاد لها.

مكنت الطريقة الجديدة العلماء من تقدير كتلة الكروموسومات الكلية (يوريك ألر-أركانا بارتيا)

وبحساب عدد الإلكترونات الدقيق المسجل لكل كروموسوم، تمكن العلماء من تقدير كتلة كل كروموسوم منفردا، ومن ثم تقدير كتلة الكروموسومات الكلية. كما ساعدت الكتلة الفردية المقيسة لكل كروموسوم في تقدير الكتلة الخاصة بالمكون البروتيني وكتلة ما يحتويه من حمض نووي على حدة.

كتلة زائدة مجهولة السبب

وبحسب البيان الصحفي الذي نشرته كلية لندن الجامعية، فإن نتائج الدراسة أشارت إلى أن الكروموسومات البشرية تزن كتلة أكبر 20 مرة من الحمض النووي الذي بداخلها، وهي كتلة أكبر بكثير مما توقعه الباحثون سابقا.

وفي هذا الصدد، يقول إيان روبنسون كبير باحثي الدراسة وأستاذ الفيزياء بذات الجامعة، إن "الكروموسومات الـ46 الموجودة في خلايانا تزن 242 بيكوغراما" (البيكوغرام هو جزء من تريليون جزء من الغرام).

ويضيف روبنسون قائلا "هذا الوزن أثقل مما كنا نتوقعه. ومن ثم فإن تضاعفه (أثناء عملية انقسام الخلية) يشير إلى وجود زيادة غير مفسرة في كتلة هذه الكروموسومات".

تزن الكروموسومات البشرية كتلة أكبر 20 مرة من الحمض النووي الذي بداخلها (بيكساباي)

وعلى الرغم مما تقدمه هذه الدراسة من تقدير فريد لكتلة الكروموسومات لأول مرة، فإن العلماء لا يملكون أي تفسير جيد وراء سبب وجود هذه الكتلة الزائدة، إذ يشير باحثو الدراسة إلى أننا بحاجة للمزيد من البحث لمعرفة سبب هذه الكتلة الزائدة عن المتوقع.

المصدر : لايف ساينس + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة