أسباب تواجد احتياطات النفط الضخمة في الصحاري والقطب الشمالي

الضربة الثلاثية المتمثلة في ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص الدعم المالي، والسياسات العدائية؛ كلها عوامل تدعو إلى ترك التنقيب عن النفط في القطب الشمالي.

معظم الخبراء يتفقون على أن الوقود الأحفوري سيظل مصدر الطاقة الأكثر انتشارا لمدة عقد على الأقل (غيتي)
معظم الخبراء يتفقون على أن الوقود الأحفوري سيظل مصدر الطاقة الأكثر انتشارا لمدة عقد على الأقل (غيتي)

لماذا توجد الاحتياطيات الأكبر للنفط في الصحاري والقطب الشمالي؟ ولماذا تتجه الشركات الكبرى للتخلي شيئا فشيئا عن مشاريعها في القطب الشمالي؟ أسئلة يجيب عنها تقرير نشره موقع "أويل برايس" (Oil Price) الأميركي.

يقول كاتب التقرير أليكس كيماني إن مجموعة من المحللين يتوقعون أن يعود الطلب على النفط إلى مستويات قريبة من المستويات التي بلغها قبل الوباء، في حين يتوقع آخرون تسجيل عجز وارتفاع في الأسعار.

وذكر الكاتب أن معظم الخبراء يتفقون على أن الوقود الأحفوري سيظل مصدر الطاقة الأكثر انتشارا لمدة عقد، وربما حتى عقدين، اعتمادًا على سرعة التحوّل بمجال الطاقة.

وتقدّر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أنه يوجد في محمية القطب الشمالي الوطنية للحياة البرية في الجزء الشمالي الشرقي من ألاسكا احتياطي يعادل 12 مليار برميل من النفط، أو ما يقارب 27% من احتياطيات النفط الأميركية المؤكدة البالغة 43.8 مليار برميل.

في محمية القطب الشمالي الوطنية للحياة البرية يوجد احتياطي يعادل 12 مليار برميل من النفط (غيتي)

النشاط التكتوني

وتعد الصفائح التكتونية أفضل دليل لدينا لفهم سبب احتواء الصحاري والمناطق القطبية الشمالية على بعض أكبر احتياطيات الهيدروكربون على وجه الأرض، حيث تخلق الصفائح التكتونية "قدرا من الضغط" يحوّل ببطء المواد العضوية إلى زيت وغاز، ولكن المواقع المهمة الأخرى ذات الاحتياطيات الكبيرة تشمل دلتا الأنهار والحدود القارية.

وأوضح الكاتب أن النفط والغاز يتكوّن في الغالب نتيجة تراكم الكائنات الحية الدقيقة الميتة في بيئات ذات تركيزات منخفضة جدا من الأكسجين، مما يعيق عمليّة تحللها.

وتوفر أحواض المحيطات الحديثة التي تتكون عادةً نتيجة تحرّك الصفائح التكتونية والتصدع القاري الظروف المناسبة تماما للدفن السريع لهذه الكائنات في المياه قليلة الأكسجين. وتملأ عادة الأنهار هذه الأحواض بسرعة بالرواسب التي تحتوي على كميات وفيرة من البقايا العضوية.

ومن أفضل الأمثلة على ذلك خليج كاليفورنيا، الذي تشكَّل في أقل من 6 ملايين أو 10 ملايين سنة، وهذا نسق أسرع بكثير من معظم أحواض المحيطات في العالم. ويعد خليج المكسيك مثالا رائعا آخر على إمكانيّة تكوين النفط والغاز الجديد في بيئة مقيدة.

من المحتمل أن تحتوي القارة القطبية الجنوبية على كميات وفيرة من النفط والغاز (غيتي)

الصحراء الليبية ومحيط تيثس

وأشار الكاتب إلى أن الصفائح التكتونية نفسها التي توفر مواقع وظروفا مثالية للدفن بنقص الأكسجين مسؤولة أيضًا عن بعض الأحداث، مثل الانجراف القاري والاندساس والاصطدام مع القارات الأخرى التي تحدد المسارات الجيولوجية التي تسلكها الأحواض الرسوبية عادة.

فعلى سبيل المثال، تحتوي القارة القطبية الجنوبية على رواسب كبيرة من الفحم، ومن المحتمل جدا أن تكون هناك كميات وفيرة من النفط والغاز، بينما تحتوي الصحراء الليبية على ندوب جليدية لا لبس فيها، مما يثبت أن صفائحها كانت ذات يوم على الأطراف الأخرى من الأرض.

ونظرا لأن هذه الهيدروكربونات أكثر قوة من قوة الماء، فإنها تشق طريقها في النهاية إلى السطح، أو من خلال التصدع والتصادم بين الكتل الأرضية والقوى التكتونية الأخرى.

عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، فإن النظرية الأكثر واقعيّة حول سبب احتواء المنطقة على كميات ضخمة من النفط هي أنها لم تكن دائما صحراء شاسعة، ويعتقد العلماء أنه منذ 100 مليون سنة تقريبا كانت المنطقة عبارة عن جسم مائي ضخم يعرف باسم "محيط تيثس" وتغذيه الأنهار.

ومع ارتفاع مستوى الأرض في منطقة الشرق الأوسط الحديثة تدريجيا بسبب النشاط التكتوني، انحسر "محيط تيثس"؛ تاركا وراءه الصحراء الرملية الجافة في الشرق الأوسط.

تراجع الدعم أحد أهم أسباب تجنب الشركات الكبرى التنقيب عن النفط في القطب الشمالي (الأوروبية)

توقف التنقيب في القطب الشمالي

وتطبيقا لإجراءات ملف النفط والسياسة البيئية التي وعد بالالتزام بها أثناء حملته الانتخابية، فرض الرئيس الأميركي جو بايدن "تعليقا مؤقتا" على جميع عمليات إصدار تصاريح تأجير النفط والغاز في محمية الحياة البرية الوطنية القطبية بولاية ألاسكا.

في المقابل، هناك عدة أسباب وراء احتمال مواصلة الشركات الكبرى تجنب التنقيب عن النفط في القطب الشمالي حتى في حالة قيام إدارة بايدن برفع الحظر.

وأوضح الكاتب أن أبرز الأسباب التي تجعل تلك الشركات غير مهتمة إلى حد كبير بالتنقيب في القطب الشمالي هو تراجع العديد من الداعمين المحتملين.

ففي عام 2019، أصبح "غولدمان ساكس" أول بنك أميركي عملاق يوقف تمويل عمليات التنقيب عن النفط الجديدة في القطب الشمالي، فضلا عن مناجم الفحم الحراري الجديدة في أي مكان حول العالم.

وحسب السياسة البيئية للبنك، فإن تغير المناخ أحد "أهم التحديات البيئية في القرن 21″، وقد تعهد بمساعدة عملائه على إدارة التأثيرات المناخية بشكل أكثر فعالية، بما في ذلك بيع سندات الكوارث الطبيعية المرتبطة بالطقس.

كما التزم البنك العملاق باستثمار 750 مليار دولار على مدى العقد المقبل في المجالات التي تركز على التحول المناخي.

البنوك الكبرى والمؤسسات المالية تعهدت بتقييد أو وقف تمويل عمليات التنقيب عن النفط في القطب الشمالي (غيتي)

وسيرا على خطاه، تعهدت جميع البنوك الأميركية الخمسة الكبرى وأكثر من 60 مؤسسة مالية في جميع أنحاء العالم بتقييد أو وقف تمويل عمليات التنقيب عن النفط في القطب الشمالي.

وأشار الكاتب إلى أن الضربة الثلاثية المتمثلة في ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص الدعم المالي، والسياسات العدائية؛ كلها عوامل تدعو إلى ترك التنقيب عن النفط في محمية القطب الشمالي الوطنية للحياة البرية لتبقى "القلب البيولوجي" للمنطقة وأرضًا خصبة لتكاثر الدببة القطبية والرنة وأكثر من 200 نوع آخر من الكائنات الحية لعقود قادمة.

المصدر : أويل برايس

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة