أكثر مما نعتقد.. قاعدة نيتروجينية غريبة تكوّن الجينوم الخاص ببعض الفيروسات

عالم الحرب الميكروبية يطور العديد من الأسلحة باستمرار (بيكسابي)
عالم الحرب الميكروبية يطور العديد من الأسلحة باستمرار (بيكسابي)

تتكون أبجدية الحياة من 4 حروف رئيسية تمثل القواعد النيتروجينية التي تُخزن شفرة الكائن الحي الوراثية داخل الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين "دي إن إيه" (DNA). وهذه الحروف هي: الأدينين ويرمز له بالحرف "إيه" (A)، والثيامين "تي" (T)، والسايتوزين "سي" (C)، والغوانين "جي" (G).

أبجدية واحدة

ويختلف الحمض النووي الريبوزي "آر إن إيه" (RNA) -الذي يعد مسؤولا عن تنظيم ترجمة المعلومات الوراثية ونقلها وفك تشفيرها- عن هذه القاعدة قليلا، إذ يحتوي على القاعدة النيتروجينية اليوراسيل "يو" (U) بدلا من الثيامين.

وتقترن القواعد النيتروجينية بشكل معين حتى تتمكن من تشفير المعلومات الوراثية وتكوين الشريط المزدوج للحمض النووي منقوص الأكسجين. إذ يقترن الأدينين بالثيامين من خلال رابطتين هيدروجينيتين، في حين يرتبط السايتوزين بالغوانين من خلال 3 روابط هيدروجينية.

وعلى الرغم من أن هذه الأبجدية تكفي الكائنات معقدة الخلايا لكي تخزن وتعبر عن أسرارها الوراثية، فإنها -على ما يبدو- لا تكفي للكائنات البسيطة.

ونظرا لطبيعة الحرب الضروس بين الفيروسات التي تصيب البكتيريا -والتي تعرف أيضا بالعاثيات- وبين فرائسها من البكتيريا، فإن كليهما يطور أساليب متفردة لكي يقضي على الآخر. غير أن العاثيات قد أخذت هذا السباق المسلح إلى مستويات جديدة من التطور.

تقترن القواعد النيتروجينية ببعضها لتكوّن شريط الحمض النووي المزدوج (بيكسابي)

عاثيات غامضة

تعود القصة إلى عام 1977 حيث اكتشف العلماء أن أحد أنواع العاثيات -الذي يعرف باسم "سيانوفاج إس-2إل" (Cyanophage S-2L)- قد استبدل كل قواعد الأدينين النيتروجينية بقواعد من النوع "2-أمينوأدينين"، والتي يرمز لها بالرمز "زد" (Z). ومن ثم فإن أبجدية هذا الفيروس تحتوي على الحروف "زد تي سي جي" (ZTCG).

ويبدو أن هذا التعديل الذي أدخله ذلك النوع من العاثيات على مادته الوراثية يهدف إلى توفير الحماية الذاتية لنفسه ضد البكتيريا. إذ ترتبط القاعدة النيتروجينية "زد" (Z) بالثيامين من خلال 3 روابط هيدروجينية -بدلا من اثنتين كما يفعل الأدينين- وهو ما يعني ارتباطا أقوى. وبالتالي فإن ذلك يضفي على الجينوم الفيروسي خصائص جديدة، وذلك بأن يجعله أشد مقاومة للكسر حال هاجمته البكتيريا.

غير أن العلماء لم يكتشفوا أيا من العاثيات الأخرى التي تحمل مثل هذا التعديل الوراثي المحتوي على القاعدة "زد" (Z). ونظرا لصعوبة استزراع عاثيات "السيانوفاج إس-2إل" في المختبر، فقد بات محتواها الجيني محل لغز محير للعلماء.

ولذلك، فإننا لا نعرف الكثير عن الكيفية التي تتكون بها هذه القاعدة النيتروجينية، فضلا عن الطريقة التي ترتبط بها مع الثيامين لتُكوّن الحمض النووي الخاص بالفيروس "دي زد-دي إن إيه" (dZ-DNA)؛ أو ما يعرف باسم "الجينوم-زِي" (Z-genome).

يعدّل "السيانوفاج إس-2إل" من مادته الوراثية بهدف توفير الحماية الذاتية لنفسه ضد البكتيريا (يوريك ألرت)

جينوم-زي الفريد

وحديثا، أفردت دورية "ساينس" (Science) في عددها الصادر يوم 30 أبريل/نيسان الماضي 3 مقالات أجرتها فرق بحثية مستقلة للإجابة عن هذه التساؤلات.

وقد أظهرت الدراسة الأولى التي أجراها باحثون صينيون والثانية التي أجراها باحثون فرنسيون، أن هناك بروتينين رئيسيين، هما "PurZ" و"PurB"، يضطلعان بتكوين القاعدة النيتروجينية "زد" (Z).

في حين جاءت نتائج الدراسة الثالثة التي أجراها فريق دولي من العلماء بقيادة باحثين من فرنسا مؤكدة على هذه النتائج وكاشفة عن إنزيم يدعى "DpoZ"؛ الذي يعد مسؤولا عن ربط وتكوين الجينوم-زِي بأكمله.

وبالبحث في قواعد البيانات الخاصة بالتسلسلات الجينية، اكتشف العلماء أن هناك العديد من العاثيات التي تحتوي على تسلسلات جينية لجينات مماثلة لتلك التي تُكوّن البروتينات والإنزيمات آنفة الذكر.

أظهرت قواعد البيانات أن هناك العديد من العاثيات التي تحتوي على تسلسلات جينية مماثلة للسيانوفاج إس-2إل (بيكسابي)

وبالطبع، فإن هذه القاعدة النيتروجينية الجديدة ستوفر مزيدا من التنوع الوراثي، وهو ما يطمح إليه العديد من العلماء. وهو الأمر الذي يمكن تشبيهه بإضافة حرف جديد إلى لغتك التي تتحدث بها، مما يعني أن هناك كلمات جديدة قد تضاف إلى قاموس لغتك.

وكذلك الأمر بالنسبة للخلية، فإن تنوع أحرفها يعني إنتاج مكون جديد أو اكتساب وظيفة جديدة، إلخ. غير أن هناك الكثير من الأسئلة التي ما زلنا نجهلها عن الجينوم-زي الخاص بهذه العاثيات.

فعلى سبيل المثال، هل يتوافق الجينوم-زي مع الآليات الخلوية الطبيعية الموجودة داخل خلايانا؟ وهل من الممكن استخدامه بالنهج نفسه الذي نفعله في عمليات التخليق الاصطناعي للجينات؟

المصدر : ساينس ألرت + فيز دوت أورغ + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة