لم تتطور منذ 175 مليون عام.. اكتشاف بكتيريا خارقة للطبيعة تعيش تحت الأرض

تشكل هذه البكتيريا أفضل مثال للركود التطوري في الميكروبات، ويُعتقد أن السبب في ذلك هو أن لديها آليات متخصصة تساعدها على مقاومة الطفرات

البكتيريا الخارقة للطبيعة لم تتطور منذ 175 مليون عام ‏(ناسا‏)

في مشهد مشابه لما نراه في روايات الخيال العلمي، كشف التحليل الجيني نوعا عجيبا من البكتيريا -‏تم جمعه من 3 قارات مختلفة- لم يتطور منذ أن كانت معا في آخر مرة على نفس الكتلة الأرضية، وهذا يعني أن البكتيريا كانت في "ركود تطوري" لما لا يقل عن 175 مليون سنة، مما يجعلها الكائن الوحيد المعروف الذي لم يصبه التطور على مدار هذه الحقبة الزمنية الطويلة.

ونُشرت هذه الدراسة في المجلة الرسمية للجمعية الدولية للإيكولوجيا الميكروبية "آي إس إم إي" (ISME) في 6 أبريل/نيسان الجاري، ويمكن أن يكون لهذا الاكتشاف آثار كبيرة على تطبيقات التكنولوجيا الحيوية والفهم العلمي للتطور الميكروبي، كما يوضح لنا مدى ضآلة ما نعرفه عن كوكبنا الغريب والمتنوع.

مستعمرة البكتيريا المعزولة من المياه الجوفية على بعد 2.8 ‏كيلومتر تحت سطح الأرض ‏(ناسا‏)

بكتيريا نادرة جدا

تُعرف هذه البكتيريا العجيبة بالاسم العلمي "كانديداتوس ديسولفوروديس أوديكسفايتر" (Candidatus Desulforudis Audax viator)، وهو مشتق من إحدى روايات الخيال العلمي التي نشرت عام 1864 تحت عنوان "رحلة إلى مركز الأرض".

وتم اكتشافها أول مرة في عام 2008، بعد الحصول عليها من المياه الجوفية على بعد 2.8 كيلومتر تحت سطح الأرض في منجم ذهب مبونينغ في جنوب أفريقيا، وتعيش في تجاويف صخرية مملوءة بالماء.

وللبقاء على قيد الحياة؛ تستمد تلك البكتيريا طاقتها من التفاعلات الكيميائية، مثل تحلل جزيئات الماء بسبب "الإشعاع المؤين" الناتج عن التحلل الإشعاعي لليورانيوم والبوتاسيوم والثوريوم في الصخور المحيطة، وهذا يجعلها واحدة من الكائنات الحية القليلة المعروفة التي لا تعتمد على ضوء الشمس للتغذية.

وتُعتبر النوع الوحيد الذي يشكل نظاما بيئيا فعالا لنوع واحد، لأنها تشكل 99.9% من الكائنات الحية الدقيقة في المكان الذي وجدت فيه.

أحافير حية

أراد الفريق معرفة المزيد عن هذه البكتيريا، وكيف تطورت وتكيفت، لذلك جمع الفريق البحثي 126 ميكروبا من عينات المياه الجوفية العميقة من مواقع في سيبيريا وكاليفورنيا وجنوب أفريقيا، وقاموا بترتيب ومقارنة تسلسل الجينومات الخاصة بها.

ولقد اعتقدوا في البداية أنهم -من خلال مقارنة الميكروبات من قارات منفصلة في بيئات طبيعية وكيميائية مختلفة- سيرون الطرق التي تطورت وتنوعت من خلالها البكتيريا؛ حيث تكيفت كل منها مع ظروفها البيئية الخاصة.

وقال عالم الأحياء الدقيقة راموناس ستيبانوسكاس -من مختبر بيجلو لعلوم المحيطات (Bigelow Laboratory for Ocean Sciences) بولاية "مين"  في بيان صحفي للمعهد- إننا "أردنا استخدام هذه المعلومات لفهم كيفية تطورها ونوع الظروف البيئية التي تؤدي إلى نوع التكيفات الجينية".

لكن نتائج التحاليل كانت مفاجأة كبيرة حيرت العلماء؛ فعندما قارن الفريق الجينومات وجدوا أن الميكروبات في القارات الثلاث كانت متطابقة تقريبا.

وقال ستيباناوسكاس إن "أفضل تفسير لدينا في الوقت الحالي هو أن هذه الميكروبات لم تتغير كثيرا منذ أن ‏انفصلت مواقعها المادية أثناء تفكك شبه القارة العملاقة بانجيا، قبل حوالي 175 مليون سنة‎". و‎"‎يبدو أنها أحافير حية من تلك الأيام. هذا يبدو جنونيا تماما ويتعارض مع الفهم المعاصر لتطور ‏الميكروبات‎."‎

تم عزل البكتيريا من منجم ذهب مبونينغ بالقرب من جوهانسبرغ جنوب أفريقيا ‏("جيه إم كيه" – ويكيميديا‏)

الركود التطوري

تشكل هذه البكتيريا أفضل مثال حتى الآن للركود التطوري في الميكروبات، ويعتقد الفريق أن السبب في ذلك هو أن هذه البكتيريا لديها آليات متخصصة تساعدها على مقاومة الطفرات.

وقال عالم الأحياء الدقيقة إريك بيكرافت -من جامعة نورث ألاباما (University of Northern Alabama)- "يُظهر هذا الاكتشاف أننا يجب أن نكون حذرين عند وضع افتراضات حول سرعة التطور وكيف نفسر شجرة الحياة".

وأضاف "هذه النتائج تذكير قوي بأن الفروع الميكروبية المختلفة التي نلاحظها على شجرة الحياة قد تختلف اختلافا كبيرا في الوقت منذ آخر سلف مشترك… إدراك هذا أمر بالغ الأهمية لفهم تاريخ الحياة على الأرض".

وقال العلماء إن هذا الاكتشاف له تطبيقات محتملة في التكنولوجيا الحيوية، بدءا من الاختبارات التشخيصية إلى العلاج الجيني.

المصدر : ساينس ألرت + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

اكتشف باحثون كرواتيون أن البكتيريا كائنات حية متعددة الخلايا مثلنا تماما، وأن تطور الأغشية الحيوية يمكن مقارنته بالتكوين الجنيني الحيواني، ويمكن أن يغير ذلك قواعد اللعبة في علاج الأمراض.

Published On 24/10/2020
المزيد من علوم
الأكثر قراءة