هل يمكن احتواء حوادث التسرب الإشعاعي المتكررة؟

يحدث التسرب الإشعاعي عندما يحدث تفاعل التوالد النووي بشكل عرضي في المادة الانشطارية مثل اليورانيوم المخصب أو البلوتونيوم
انفجار مفاعلات فوكوشيما أدى إلى تسرّب إشعاعي كبير تواصل اليابان العمل على احتوائه (فليكرز)

تمثل حوادث التسرب الإشعاعي مصدر قلق عالمي بسبب المخاطر التي يمكن أن تنجر عنها وتهدد الكائنات الحية على سطح الأرض. ورغم أن الخبراء طوروا طرقا لاحتواء هذه التسربات وإدارة النفايات المشعة المنجرة عنها، فإنها ما زالت أبعد من أن تزيل آثارها بشكل كامل.

شهد العالم منذ يوليو/تموز الماضي حوادث تسرب -أو احتمال تسرب- للإشعاعات في كل من روسيا وفنلندا وألمانيا وفرنسا، ثم في الولايات المتحدة التي عاشت قبل شهرين حادثة تسرب إشعاعي من مفاعل نووي، وتشهد منذ أسبوعين في فلوريدا انهيار حاجز يمنع المياه التي قد تحتوي على نسب مرتفعة من الإشعاعات، من التسرب خارج أكوام عملاقة لمادة الفوسفوجيبس، إحدى المنتجات الجانبية لصناعة الفوسفات والملوثة للبيئة.

ولا تمثل هذه الحوادث شيئا أمام أشهر حادثين نوويين في التاريخ، وهما: حادث تشرنوبيل في أوكرانيا الذي حدث عام 1986، وحادث فوكوشيما الذي مرت ذكراه العاشرة مؤخرا.

انفجار مفاعلات فوكوشيما أدى إلى تسرّب إشعاعي كبير تواصل اليابان العمل على احتوائه (فليكرز)

كيف تتشكل المواد المشعة؟

لفهم مصدر هذه الإشعاعات يتعين إلقاء نظرة على ما يحدث داخل مفاعل نووي، حيث تنشطر ذرات عناصر ثقيلة إلى جزأين أو أكثر بعد قصفها بجسيمات النيوترون مولدة حرارة عالية ومواد مشعة غير مستقرة، إضافة إلى نيترونات أخرى تقوم تلقائيا بقصف ذرات أخرى بشكل متسلسل.

وتعتبر أغلب مخلّفات الانشطار مواد غير قابلة لإعادة الاستخدام، وتظل مشعة لآلاف السنين مما يمثل خطرا طويل المدى على الكائنات الحية. لذلك يتم تخزينها في مراكز خاصة يتم إنشاؤها على مستوى عميق تحت سطح الأرض.

ورغم درجات الأمان العالية جدا، قد يحدث أن تنفجر المفاعلات النووية، مما يؤدي إلى تسرّب الإشعاعات والمواد المشعة المنتجة خلال التفاعلات، والتي تتساقط الثقيلة منها كغبار ذري على الأسطح والنباتات والأشجار، وتلوث المياه والتربة في محيط المفاعل، ويحمل الغلاف الجوي الخفيفة منها بعيدا.

عمليا يعد تطهير الأماكن التي أصابتها الإشعاعات بشكل كامل أمرا مستحيلا، رغم أن العديد من الإجراءات يمكن أن تخفف آثاره على المدى الطويل. كما تختلف الإجراءات المتخذة لاحتواء التسربات من حادث لآخر حسب أهمية التسرب وطبيعة الوسط البيئي المحيط بمكان الحادث. وتعد تلك التي تم اتخاذها حول منطقة فوكوشيما، مثالا على طبيعة هذه الإجراءات.

خزانات المياه الملوثة بالإشعاعات قد يتم إفراغها في المحيط لاحقا (فليكرز)

من إجراءات الاحتواء

بعد تحديد منطقة الاستبعاد التي لا يسمح لأحد بالعيش داخلها، ويتم إيقاف المفاعلات النووية للحد من إطلاق المواد المشعة والحفاظ على الوقود النووي باردا، يتعين الشروع في تنظيف المحيط عبر إزالة طبقة من التربة من المحتمل أن تكون المواد المشعة قد سقطت عليها.

في حالة فوكوشيما حدد الخبراء سمك الطبقة التي يتعين إزالتها لخفض الإشعاعات إلى النصف بحوالي 4 سنتيمترات على امتداد منطقة الاستبعاد التي يبلغ قطرها 20 كيلومترا، وهي كمية من التربة كافية لملء 20 ملعب كرة قدم.

يمكن أن تكون جزيئات الإشعاع لزجة أيضا ويصعب التخلص منها، مما يتطلب إزالة الأشجار والعشب والنباتات مع التربة للتخلص منها بالكامل.

توضع آلاف الأطنان من هذه التربة المشعة في مراكز تخزين مؤقت في انتظار معالجتها، مثل النفايات النووية المشعة الناتجة عن تشغيل المفاعلات، ثم إيداعها في مراكز تخزين نهائية عميقا تحت سطح الأرض.

تتعقد مهمة الاحتواء إذا تسربت الإشعاعات إلى المياه المستخدمة في تبريد المفاعل. في فوكوشيما -على سبيل المثال- كان لا بد من تبريد الوقود النووي عبر ضخ ما يزيد على 1.2 مليون متر مكعب من المياه داخل المفاعلات الثلاثة، وبعد مرور 10 سنوات على الحادثة ما زالت هذه الكمية الضخمة من المياه مودعة داخل ألف خزان ضخم، تنتظر حلا نهائيا.

مكلفة وتمتد عقودا

يؤكد الخبراء أن عملية التنظيف معقدة ومكلفة وتستغرق وقتا طويلا، إذ تقدر تكلفتها بالنسبة لفوكوشيما بأكثر من 300 مليار دولار، وقد تستغرق 25 عاما من العمل المتواصل. هذا طبعا دون اعتبار عمليات البحث عن التخزين النهائي لهذه النفايات أو التخلص منها بكل بساطة في المحيط، وهو ما تفكر فيه الحكومة اليابانية بالنسبة للمياه الملوثة بالإشعاعات.

وفي غياب حل جذري لاحتواء التسرّبات الإشعاعية، اتخذت العديد من الدول النووية -كألمانيا وسويسرا وبلجيكا وإسبانيا- قرارات بالاستغناء عن الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء تدريجيا، وتعويضها بالطاقات المتجددة والنظيفة.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة