ناب الحوت وحيد القرن.. سونار حيوي لاستكشاف البحار وسجل لتاريخ حياته

ذكر الحوت وحيد القَرن‏ بأنيابه اللولبية المميزة ذات الاستخدامات المتعددة (غيتي)
ذكر الحوت وحيد القَرن‏ بأنيابه اللولبية المميزة ذات الاستخدامات المتعددة (غيتي)

من الخارج، يثير ناب الحوت وحيد القَرن فضولا لافتا للنظر، ومن الداخل، تحتوي هذه السن البارزة الطويلة على تاريخ كامل لهجرة الثدييات البحرية ووجباتها الغذائية، من أول إلى آخر نفَس لها على قيد الحياة.

قرأ الباحثون 10 حلقات من طبقات النمو الموجودة داخل أنياب الحوت وحيد القَرن‏ الموجود في شمال غرب غرينلاند، لأنهم لا يعرفون سوى القليل جدا عنه‏، حيث يقضي معظم حياته تحت ألواح ضخمة من الجليد في القطب الشمالي النائي.

نُشرت الدراسة في دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) في 10 مارس/آذار الجاري، وتعد نتائجها، وبياناتها المتسقة على مدى نصف قرن نادرة جدا، وتوفر لمحة لا تقدر بثمن عن كيفية تعامل هذا النوع من الحيتان في ظل ظروف سريعة التغير.

الحوت وحيد القَرن

يعرف الحوت وحيد القَرن باسم‎ حَريش البحر، أو كركدن البحر، وهو حيوان ثديي يعيش في القطب الشمالي، ويطلق عليه اسم حوت النروال "المرقط" (Narwhal) أو "مونودون مونوسروس" (Monodon monoceros)، ويعتبر واحدا من حوتين وحيدين تابعين لفصيلة الحيتان البيضاء.

يبلغ طوله من مترين إلى 3 أمتار، ويتميز ذكوره بعلامة فارقة مميزة عبارة عن ناب -أو سن- حلزوني طويل وقوي يمتد من أيسر فكّه العلوي، وظلّت وظيفة هذا الناب محل جدل كبير بين العلماء، حيث افترض بعضهم أنه يستخدم في كسر طبقة الجليد، أو يستخدم لصيد الأسماك، وافترض آخرون أنه يستخدم في الصراع في موسم التزاوج.

وقد بيّنت أحدث الدراسات أن هذا الناب عضو إحساس مغطّى بملايين النهايات العصبية التي يمكنها أن تكتشف درجة الحرارة والملوحة والضغط في المياه التي يسبح فيها. ويمكن استخدام الأسنان الحساسة كـ"سونار حيوي"، مما يسمح للأنواع بالتنقل في أعماق المحيطات الأكثر قتامة.

هجرة الثدييات البحرية

اليوم، ومع تغير المناخ، ترتفع درجة حرارة القطب الشمالي بشكل أسرع بكثير من بقية أجزاء العالم، وتعتبر حيوانات الحوت وحيد القَرن‏ ‏الثدييات البحرية الأكثر عرضة للخطر في المنطقة.

وبتحليل المحتوى الكيميائي في كل طبقة من أنياب الحوت وحيد القَرن‏، أنشأ الباحثون ملفات تعريف التغذية، والتعرض للزئبق حتى عام 2010، لكل فرد. وتم استخدام نظائر الكربون والنيتروجين في هذه الأسنان على وجه التحديد للكشف عن مكان تغذية كل فرد وما أكله على امتداد حياته، ويعود تاريخ بعض العينات إلى عام 1962.

يقول الباحث في الثدييات البحرية رون ديتز من جامعة آرهوس (Aarhus University) بالدانمارك في بيان صحفي للجامعة ذاتها، "هنا، البيانات هي مرآة للتطور في القطب الشمالي". ويضيف "إنه أمر فريد من نوعه أن حيوانا واحدا بهذه الطريقة يمكن أن يسهم في سلسلة طويلة المدى من البيانات لمدة 50 عاما".

أنياب الحوت وحيد القَرن تُقَطع إلى النصف قبل أخذ العينات الفرعية التي توضح طبقات النمو السنوية (غيتي)

السؤال الكبير ودراسات مستقبلية

حتى تسعينيات القرن الماضي، كان يبدو أن الحوت وحيد القَرن في هذه المنطقة من القطب الشمالي يأكل الأسماك مثل سمك الهلبوت وسمك القد في القطب الشمالي، وفي الوقت نفسه الذي بدأ فيه الجليد يذوب بسرعة في القطب الشمالي، غيرت هذه المجموعة شهيتها، وتغذت على أسماك المحيطات المفتوحة مثل الكابلين وسمك القد القطبي.

ولا يزال من غير الواضح ما الذي أدى إلى هذا التحول، ويقول الباحثون إنه منذ مطلع القرن، زادت كمية الزئبق في أنياب الحوت وحيد القَرن بشكل كبير، ويتطابق هذا الاتجاه مع الحيوانات الأخرى في المنطقة، والتي أظهرت أيضا مستويات أعلى من الزئبق في السنوات الأخيرة. وربما نجم هذا عن التغييرات في النظام الغذائي، أو زيادة التلوث البشري من أنشطة مثل التعدين أو إنتاج طاقة الفحم أو إنتاج الإسمنت أو حرق النفايات.

يقول عالم السموم البيئية جان بيير ديسفورجيس ‏من جامعة ماكجيل (McGill University)، بكندا "السؤال الكبير الآن هو كيف تؤثر هذه التغييرات على صحة ولياقة الأنواع الرئيسية في القطب الشمالي بالسنوات المقبلة".

بتحليل المحتوى الكيميائي في أنياب الحوت وحيد القَرن‏، أنشأ الباحثون ملفات تعريف للتغذية، وللتعرض للزئبق (غيتي)

يعتقد الباحثون أن الارتفاع غير المتوقع والسريع في زئبق الحوت وحيد القَرن يرجع إما إلى المزيد من التلوث البشري، أو إلى تحول في شبكة الغذاء بالمنطقة، أو إلى كليهما.

ويوضح ديسفورجيس "كلما كنت في مرتبة أعلى في السلسلة الغذائية، زاد الزئبق الذي يتراكم في جسمك طوال حياتك".

ويعتقد الباحثون أن تغير المناخ هو السبب الأكثر ترجيحا حتى الآن، ويأمل الباحثون في استخدام الأنياب القديمة للحوت وحيد القَرن،‏ من أرشيف المتاحف، لمعرفة كيف كانت هذه الثدييات تتعامل مع الزئبق وتغير المناخ على مدى فترات زمنية أطول.

المصدر : ساينس ألرت + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة