متلازمة ستوكهولم.. ما تعريفها وأعراضها وعلاجها؟ وكيف تناولها الأدب والسينما؟

قد يصاب البعض بالدهشة عندما يسمعون تعليقات ضحايا الإيذاء والتعذيب، من قبيل: "أدرك أنه كان يؤذيني لكني ما زلت أحبه"، أو "أعرف أنه كان يعذبني لكنه يعاني من مشاكل نفسية، فقد عاش طفولة معذبة".

Stockholm Syndrome
تصف متلازمة ستوكهولم تعاطف الضحية مع الجلاد وتعلقها به وعدم فكاكها من سطوته (شترستوك)

في عام 1973، سطا جان إيريك أولسون على بنك "كريديت بانكن" (Kreditbanken)، أحد أكبر البنوك في العاصمة السويدية ستوكهولم، واتخذ 4 موظفين بالبنك رهائن، وطلب من الشرطة فدية قيمتها 700 ألف دولار وسيارة وإطلاق سراح صديقه من السجن لمساعدته.

احتجز أولسون وصديقه الرهائن لمدة 6 أيام في إحدى الغرف المحصنة بالبنك، والعجيب أن الرهائن بعدما حررتهم الشرطة من أيدي الخاطفين، رفضوا الإدلاء بشهادتهم ضدهما في المحكمة، والأغرب أنهم شرعوا في جمع الأموال للدفاع عنهما.

وذكرت إحدى الرهائن في مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء السويدي آنذاك أولوف بالمه، أنها تثق ثقة تامة في الخاطفين ولكنها تخشى من أن تموت في حال اقتحمت الشرطة المبنى.

لجأت شرطة ستوكهولم إلى الطبيب النفسي نيلس بيجيروت الباحث في علم الجريمة، لتحليل رد فعل الرهائن المحير تجاه خاطفيهم. وصاغ بيجيروت مصطلح "متلازمة ستوكهولم" (Stockholm Syndrome) لتفسير فكرة التلاعب بعقول الرهائن أو الضحايا أو بالأحرى "غسل أدمغتهم".

Barbed wire injures red heart. heart trapped in barbed wire, the concept of unrequited love, Stockholm Syndrome. Isolated on white background; Shutterstock ID 366764828; purchase_order: AJ+ Arabic; job: Mohammed El Shazly; client: ar-ct-colonialismindonesia; other:قد تتمسك بعض النساء المعنّفات بشريك الحياة الذي يؤذيها ويسيء إليها وتدافع عنه (شترستوك)

لكن المصطلح لم يحظ بانتشار واسع إلا بعد حادثة اختطاف باتريشيا هيرست، حفيدة رجل الأعمال والناشر ويليام راندولف هيرست، على يد جماعة ثورية مسلحة، تطلق على نفسها "جيش التحرير السيمبيوني" (Symbionese Liberation Army) عام 1974.

فبعد أن احتجز أفراد الجماعة باتريشيا وطلبوا فدية قدرها ملايين الدولارات للتبرع بالطعام للفقراء، انضمت باتريشيا إلى صفوف المختطفين، ولم تكد تمضي أياما حتى شوهدت تحمل سلاحا أثناء عملية سرقة بنك، وتلقي أوامر على رواد البنك وتحمي أعضاء الجماعة.

وظهرت فيما بعد حالات عديدة مشابهة، أبدى خلالها ضحايا التعذيب والرهائن تعاطفا مع الجناة، كان أبرزها حالة إليزابيث سمارت. ففي عام 2002، اختطفت إليزابيث سمارت (14 عاما) من منزلها في ولاية يوتاه، وحررتها الشرطة بعد 9 أشهر تعرضت خلالها للإيذاء والاغتصاب.

لكن امتناع سمارت عن الهرب خلال الأشهر التسعة أو طلب المساعدة من الآخرين، أثار الكثير من التساؤلات. فقد كانت تجوب الشوارع وتحضر حفلات، ورفضت في إحدى المرات الكشف عن هويتها الحقيقية للشرطة، والأغرب من ذلك أنها أبدت قلقا على مصير خاطفيها، وعندما علمت أنهما قد يواجهان عقوبة السجن، أجهشت بالبكاء.

Patty Hearst with Machine Gunبعد أن اختُطفت باتريشيا هيرست على يد جماعة ثورية مسلحة، انضمت إلى صفوف الجماعة (غيتي إيميجز)

ما تعريف متلازمة ستوكهولم في علم النفس؟

تُعرّف متلازمة ستوكهولم بأنها مجموعة من الأعراض تبدأ عندما تتعاطف الرهينة مع المختطف أو ترتبط به عاطفيا. وتعيش الضحية حالة من الاعتماد الإجباري على الجاني، وتفسر ما يبديه من سلوكيات إيجابية نادرة وسط الظروف المؤلمة التي تتعرض لها بأنها معاملة حسنة.

وأشارت دراسة نشرت في دورية "ناشيونال إنستيتيوت أوف هيلث" (National Institute of Health) إلى أن متلازمة ستوكهولم هي رد فعل عاطفي غير شعوري لحدث مثير للصدمة النفسية جراء التعرض للإيذاء أو الاختطاف. وتساعد متلازمة ستوكهولم في توحيد الرهينة والمختطف ضد العالم الخارجي.

وعرّف الباحثون هذه العلاقة العاطفية الإيجابية بين الضحية والجاني بأنها آلية دفاعية تلجأ إليها الذات عند التعرض للضغوط النفسية، ولا سيما عندما يكون البقاء على قيد الحياة هو الأولوية لجميع الأطراف.

وفي نشرة مكتب التحقيقات الفدرالي (Federal Bureau of Investigation) لعام 2007، ذكر الخبراء المشاركون في دراسة عن متلازمة ستوكهولم أنه لوحظ في الحالات التي رُصدت فيها أعراض المتلازمة، أن المختطف كان ينتزع من الرهائن جلّ أشكال الاستقلالية، ليصبح هو الآمر الناهي والمتحكم الوحيد في احتياجاتهم الأساسية للبقاء على قيد الحياة.

وعندئذ تصبح الرهينة كالطفل الذي لا حيلة له، ويكون الجاني بمثابة الأم التي تحمي طفلها من المخاطر في العالم الخارجي، مثل أسلحة عناصر الشرطة الفتاكة، في هذه الحالة تطغى رغبة الرهينة في البقاء على قيد الحياة على مشاعر الكراهية التي تكنّها للمتسبب في هذه الأزمة.

ومن ثم تسعى الضحية أو الرهينة إلى إرضاء الجاني بشتى السبل، وهذا يدفعها للإتيان بسلوكيات تستجدي بها عطفه، مثل الاعتماد التام عليه وإظهار انعدام الحيلة وعدم القدرة على التفكير أو اتخاذ القرارات.

وقد يلجأ الدماغ لحيل نفسية للمساعدة على البقاء على قيد الحياة، مثل إنكار مسؤولية الجاني عن الأزمة، أو إنكار أنه يعذبهم أو يسيء معاملتهم، والاهتمام برغبات الجاني والتعلق به والخوف منه وتبني رؤيته للعالم وتقليده أحيانا. وقد تشعر الضحية بالامتنان الشديد للجاني لأنه منحها الحياة، وتركّز على سلوكاته الحميدة وإن ندرت، وتتجاهل سلوكاته العدوانية وإن كثرت.

متلازمة ستوكهولمقرن الباحثون أعراض متلازمة ستوكهولم ببعض الشروط التي تهيئ الظروف لظهورها (شترستوك)

ما شروط ظهور أعراض متلازمة ستوكهولم؟

قرن الباحثون أعراض متلازمة ستوكهولم ببعض الشروط التي تهيئ الظروف لظهورها، مثل اعتماد الضحية على الجاني للبقاء على قيد الحياة؛ وتحكم الجاني بحياة الضحية واحتياجاتها الأساسية، وتهديده ضحاياه بالقتل وإظهار قدرته على ذلك، فإن الضحية في هذه الحالة ترى أن من الأسلم التماهي مع الجاني والانصياع لأوامره. وأخيرا تلطف الجاني بالضحية أو إظهار شيء من الود لها، وهذا الشرط لا غنى عنه لظهور متلازمة ستوكهولم، لأن الضحية ستشعر أن الجاني يسدي لها جميلا بعدم الإقدام على إيذائها أو قتلها، وتفسر ذلك بأنه كرم أخلاقي.

ويفسر الباحثون ذلك بالقول إن الجاني إذا كان عدوانيا دائما ولا يظهر الرحمة للضحية، فستكرهه الضحية وتناصبه العداء، لكن بعض الرفق والود قد يطفئان الغضب الذي تشعر به الضحية تجاه الجاني، مما يدفعها للتركيز على الجانب الإيجابي من شخصيته.

وفي حادثة اختطاف طائرة تابعة لشركة طيران "ترانس وورلد إيرلاينرز" (Trans World Airliners) عام 1985، بعيد إقلاعها من اليونان، احتجز إرهابيون رهائن لمدة 10 أيام، وصوبوا أسلحتهم إلى رؤوسهم وضربوا أحد الرهائن حتى الموت. وبعد إنقاذ الرهائن، قال أحدهم: "لم يكونوا أشرارا، بل سمحوا لي بالأكل والنوم ومنحوني الحياة".

stockholm من فيلم ستوكهولم" Stockholmتناول فيلم "ستوكهولم" قصة السطو على بنك "كريديت بانكن" (مواقع التواصل)

ما علاقة متلازمة ستوكهولم بالحب؟

تصف أيضا متلازمة ستوكهولم ردود الفعل التي يبديها ضحايا العنف المنزلي والإيذاء البدني والجنسي والاضطهاد الديني والسياسي والقمع المالي، مثل التعاطف مع الجناة والقامعين والتعلق بهم والدفاع عنهم. وذلك لأن هذه المتلازمة هي حيل نفسية تلجأ إليها الضحية للتأقلم مع الضغوط النفسية والمخاطر.

وفي كتاب "وهم الحب.. لماذا تعود المُعنّفات إلى شريك الحياة المسيء" (The illusion of Love)، كتب ديفيد سيلاني أن النساء المعنّفات قد ينجذبن إلى أزواجهن الذين يعذبونهن.

وأوضح سيلاني مستشهدا بأدلة من واقع خبرته في معالجة النساء المعنّفات لسنوات طويلة، أن الكثير منهن ينجذبن لا شعوريا لشركاء حياتهن المسيئين لهن، بسبب اضطرابات الشخصية التي قد يكون مردها إلى الإيذاء البدني أو النفسي الذي تعرضن له في سنوات الطفولة أو التعرض للتجاهل.

وكتب الأستاذ في الطب النفسي السريري الدكتور جوزيف كارفر، في تحليل بعنوان: "الحب ومتلازمة ستوكهولم" (Love and Stockholm Syndrome)، أن المكلفين بإنفاذ القانون لطالما لاحظوا هذه المتلازمة لدى المعنّفات اللائي يرفضن اتهام أزواجهن أو شركاء حياتهن رسميا أمام السلطات، أو يدفعن لهم كفالة مالية لإخراجهم من السجن، أو ربما يتعدين بالضرب على ضباط الشرطة الذين يحاولون إنقاذهن من العنف الذي يتعرضن له.

وحدد كارفر أعراض متلازمة ستوكهولم بأنها تتمثل في: إظهار الضحية مشاعر إيجابية تجاه المسيء، ومشاعر سلبية ضد العائلة أو السلطات أو الأصدقاء الذين يحاولون دعمها أو إنقاذها، وتأييد الضحية لدوافع وسلوكيات المسيء، وإظهار المسيء مشاعر إيجابية نحو الضحية، وإظهار الضحية سلوكات داعمة للمسيء في بعض الأحيان واقتناعها بقيمه وآرائه، وعجز الضحية عن المشاركة في محاولات إطلاق سراحها أو تحريرها من سطوة المسيء.

ويبرر كارفر تمسّك المعنّفات بالمسيء عاطفيا، بالقول إنهن يبحثن عن بارقة أمل في تحسن الأوضاع. فقد يفسرن بطاقة المعايدة أو الهدية التي يقدمها لهن المسيء بعد إيذائهن بدنيا أو لفظيا بأنها دليل على أنه ليس شريرا مطلقا، فقد يعود أحيانا إلى صوابه ويتدارك موقفه.

وقد يستدر المسيء تعاطف الضحية بسرد معلومات عن تعرضه للإيذاء أو التجاهل في الماضي، وحينها تشعر الضحية أن الجلاد قد يكون أيضا "ضحية" لظروف خارجة عن إرادته.

غلاف إمضاء ميترواية "إمضاء ميت" تتناول قصة أستاذ كيمياء اخترع فيروسات من أهمها فيروس متلازمة ستوكهولم (الجزيرة)

أعمال سينمائية وأدبية

لم تحيّر ظاهرة متلازمة ستوكهولم علماء النفس وحدهم، بل أثارت أيضا مخيلة السينمائيين وصنّاع الدراما التلفزيونية. لذا فقد قدمت الكثير من الأعمال السينمائية قصص نشوء علاقات عاطفية بين الجلاد والضحية فيما يعرف بمتلازمة ستوكهولم في قالب رومانسي، مثل فيلم "ستوكهولم" (Stockholm) عام 2018، الذي يتناول قصة السطو على بنك كريديت بانكين في عام 1973.

وتدور أحداث المسلسل الإسباني "لا كاسا دي بابل" (La Casa de Papel) أو "منزل من ورق"، حول عملية سطو على بنك إسبانيا، سردها أحد المشاركين فيها لعرضها من منظور الجاني لا الضحية. وجسّد المسلسل متلازمة ستوكهولم في قصة وقوع فتاة من الرهائن في غرام أحد الجناة، وإيثارها البقاء حبيسة البنك مع حبيبها على تنسم الحرية خارجه، وأطلقوا عليها اسم "ستوكهولم".

ومن أشهر القصص الرومانسية التي تناولت متلازمة ستوكهولم، قصة "الجميلة والوحش" (Beauty and the Beast)، إذ تعاطفت الجميلة مع الوحش الذي يحبسها وآثرت البقاء حبيسة القصر على الهروب منه.

وتدور رواية "إمضاء ميت" لمؤلفها "محمد رجب" حول قصة دكتور مختص بالكيمياء الحيوية والعقاقير، اكتشف طلابه أنه اخترع فيروس "متلازمة ستوكهولم" حين كان في روسيا، وباعه لشركة صينية بـ12 مليون دولار.

تدور أحداث المسلسل "لا كاسا دي بابل" حول عملية سطو على بنك إسبانيا (الفرنسية)

علاج متلازمة ستوكهولم

تعد متلازمة ستوكهولم ظاهرة نادرة للغاية، فبحسب نشرة مكتب التحقيقات الفدرالي لعام 2007، لم يُظهر 73 من الرهائن في 4700 حادثة احتجاز أعراض متلازمة ستوكهولم، ولهذا لا يوجد علاج رسمي لها. ولكن العلاج النفسي وجلسات الإرشاد النفسي والعقاقير قد تسهم في تخفيف الأعراض المصاحبة للصدمة، مثل الاكتئاب والقلق.

وقد يساعد الأطباء النفسيون في تعليم الضحايا آليات التأقلم لمساعدتهم على فهم الأزمة التي تعرضوا لها، ولماذا تعرضوا لها، وكيف يمارسون حياتهم بطريقة معتادة.

المصدر : مواقع إلكترونية