احترار المحيطات يخل بتوازن مجتمعات العوالق البحرية ويهدد شبكات الغذاء العالمية

جل طعامنا يأتي من العوالق النباتية حقيقية النوى التي توجد في شمال الأطلسي وشمال المحيط الهادي وجنوبه.

العوالق النباتية هي كائنات مجهرية تقوم بعملية التمثيل الضوئي الذي يعد أساس شبكات الغذاء البحرية (غيتي)

حذرت دراسة حديثة نشرت بدورية "نيتشر كوميونيكيشن" (Nature Communications) من عواقب وخيمة على شبكة الغذاء العالمي بأكملها وعلى خدمات النظام البيئي التي نعتمد عليها جميعا، وذلك نتيجة لارتفاع درجة حرارة المحيطات التي ستؤدي إلى اختلال توازن مجتمع العوالق النباتية وهيمنة بدائيات النوى على مناطق انتشار حقيقيات النوى.

مجتمعات العوالق النباتية

تشكل "العوالق النباتية" (phytoplankton) -وهي كائنات مجهرية تقوم بعملية التمثيل الضوئي- أساس شبكات الغذاء البحرية، إلا أنها تنتشر بشكل متفاوت عبر المحيطات، حيث تميل للتواجد في المياه الأكثر دفئا كالمناطق الاستوائية، إذ تهيمن عليها الكائنات الحية الدقيقة التي لا تمتلك نواة محددة بغشاء والتي تسمى بـ"بدائيات النوى" (prokaryotes).

بينما تنتشر الكائنات الحية الدقيقة ذات النواة أو ما يسمى بـ"حقيقيات النوى (eukaryotes) بالقرب من القطبين لتشكل أساس شبكات التغذية في المياه الباردة هناك. وتعتبر الطحالب أحد أنواع حقيقيات النوى.

المحيطات الأكثر دفئا تهيمن عليها الكائنات الحية الدقيقة التي تسمى "بدائيات النوى" (شترستوك)

تختلف بدائيات النوى عن حقيقيات النوى في كونها غير قادرة على إنتاج كل البروتينات الدهنية والعناصر الأخرى الموجودة في حقيقيات النوى، وهكذا فإن جل طعامنا يأتي من العوالق النباتية حقيقية النوى التي توجد في شمال الأطلسي وشمال المحيط الهادئ وجنوبه.

ولكن هل هناك فوارق تميز مجتمعات العوالق النباتية عن بعضها البعض؟ حفز هذا السؤال فريقا دوليا مكونا من 8 مؤسسات بحثية للإجابة عنه بقيادة باحثين من كلية علوم الحوسبة في جامعة "إيست أنجليا" (UAE) في المملكة المتحدة.

وقد شمل الفريق أيضا باحثين من "معهد جوينت جينوم" (JGI) -التابع لــ"وزارة الطاقة الأميركية" (DOE) والذي أصدر بيانا صحفيا حول الدراسة- ومعهد "إيرلهام" (Earlham Institute) وجامعة "إكستر" (Exeter) في المملكة المتحدة، و"معهد ألفريد فيغنر"
(Alfred Wegener Institute) للبحوث القطبية والبحرية وجامعة "دويسبورغ – إيسن" (Duisburg-Essen) في ألمانيا، ومعهد "أبحاث البحار" وجامعة "جرونينغن" في هولندا.

تنتشر الكائنات الحية الدقيقة التي تسمى "حقيقيات النوى" بالقرب من القطبين (شترستوك)

حدود غير مرئية لمجتمعات الطحالب

انطلق الفريق في رحلة لاستكشاف عينات من مجتمعات العوالق النباتية وجمعها وفهرستها والبحث عن أنماط قد تكون مميزة لها بما في ذلك الميكروبات التي تؤثر على تنوعها وبصمتها الجينية.

وأبحروا من القطب إلى القطب في 4 رحلات بحثية، وقاموا بجمع عينات من الطحالب من المحيط المتجمد الشمالي وشمال المحيط الأطلسي وجنوبه، إضافة إلى المحيط الجنوبي. وبعد عزل مجتمعات الطحالب على المرشحات، قاموا بترتيب تسلسل الجينات "الواسمة" للحمض النووي لتحديد الميكروبات.

ومن ثم قاموا بترتيب نسخ الحمض النووي الريبي. ولم يتمكن الباحثون من رصد تسلسل تدريجي عبر مياه المحيطات العالمية، بل على العكس من ذلك وجدوا أن هناك مجموعتين رئيسيتين؛ تلك الموجودة في المياه القطبية الباردة (حقيقيات النوى)، وتلك الموجودة في المياه الأكثر دفئا (بدائيات النوى).

الكتلة الحيوية للكريل تساوي على الأقل الكتلة الحيوية لكل البشر على هذا الكوكب (غيتي)

إحدى نتائج التغير المناخي المتسارع

ذكر الباحثون في ورقتهم أنه يمكن أن يكون لتحرك المياه الدافئة بشكل مستمر باتجاه القطبين عواقب وخيمة على الكائنات البحرية في شبكات الغذاء. حيث تهاجر العديد من أنواع الحيتان، بما في ذلك الحيتان الرمادية والحدباء، لتتغذى في المناطق القطبية على الكريل أو القريدس الذي يتغذى بدوره على الطحالب.

يشبه الكريل الروبيان وهو كائن حي يزدهر في المحيط الجنوبي. وقد نصت الدراسة على أن الكتلة الحيوية للكريل تساوي على الأقل الكتلة الحيوية لكل البشر على هذا الكوكب مما يوضح أهمية هذا الكائن في شبكة الغذاء العالمي.

وهكذا فإن ارتفاع درجة حرارة الماء وتغير مجتمعات الطحالب يؤثر سلبا على الكريل أو القريدس وبالتالي على الكائنات الأعلى في السلسلة الغذائية.

المحيط الجنوبي حيث يزدهر الكريل الذي تتغذى عليه الحيتان (غيتي)

اختلال دورة الكربون العالمية

وخلصت الدراسة أيضا إلى أن التغير في التوازن ما بين بدائيات النوى وحقيقيات النوى تغير دورة الكربون العالمية وتؤثر بالتالي على شبكة الغذاء العالمية، وذلك نظرا لأن العوالق النباتية تسهم فيما يقدر بنحو 50% من الكربون الثابت في العالم.

أضف إلى ذلك أن تغير المناخ يمكن أن يهدد الصناعات الغذائية البحرية وخدمات النظم البيئية الأخرى كالسياحة والترفيه التي تعتمد عليها الجزر والدول الساحلية كالمملكة المتحدة.

ويعتقد الباحثون أنه يمكن الاعتماد على نتائج دراستهم في تقديم المشورة لصانعي السياسات بهدف التخفيف من آثار تغير المناخ على النظم البيئية، حيث إنها تناقش زاوية جديدة حول كيفية تأثير الاحترار العالمي على هذه المجتمعات البحرية.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

تحت شعار “العلوم التي نحتاجها من أجل المحيط الذي نريده”، تتواصل فعاليات “عقد الأمم المتحدة للمحيطات من أجل التنمية المستدامة” الذي أطلقته اليونسكو ما بين عامي 2021 و2030 بهدف إنقاذ المحيطات.

Published On 15/8/2021
المزيد من علوم
الأكثر قراءة