دراسة حديثة: الكريات البيضاء تسبح في دمائنا بمجاديف جزيئية

صورة بالمجهر الإلكتروني الماسح ويرى فيها كريات الدم البيضاء غير منتظمة الشكل وخلايا الدم الحمراء والصفيحات الدموية قرصية الشكل (بروس ويتزل- ويكيبيديا)
صورة بالمجهر الإلكتروني الماسح ويرى فيها كريات الدم البيضاء غير منتظمة الشكل وخلايا الدم الحمراء والصفيحات الدموية قرصية الشكل (بروس ويتزل- ويكيبيديا)

أفاد باحثون في عدد 15 سبتمبر/أيلول الجاري من دورية "بيوفيزيكال جورنال" (Biophysical Journal) بأن خلايا الدم البيضاء البشرية، المعروفة باسم كريات الدم البيضاء، تسبح باستخدام آلية موصوفة حديثا تسمى التجديف الجزيئي.

ويمكن لآلية هذه السباحة الدقيقة أن تشرح كيف تهاجر كل من الخلايا المناعية والخلايا السرطانية في المنافذ المختلفة المليئة بالسوائل في الجسم.

هجرة الخلايا

طوّرت الخلايا إستراتيجيات مختلفة للهجرة واستكشاف بيئتها داخل الجسم، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تسبح خلايا الحيوانات المنوية والطحالب الدقيقة والبكتيريا من خلال إحداث تغييرات في أشكالها، أو باستخدام ملحق خيطي شبيه بالذيل يسمى السوط.

خلية الدم البيضاء أو كرية الدم البيضاء هي إحدى خلايا الدم الرئيسية، وتشكل ما يقارب 1% من الدم عند البالغين الأصحاء، وهناك عدة أنواع مختلفة ومتنوعة من الكريات البيضاء، والوظيفة الرئيسية لهذه الخلايا هي الدفاع عن الجسم ضد جميع الأمراض المعدية.

وقد ذكرت دراسة سابقة أن بعض خلايا الدم البيضاء البشرية التي تعرف باسم "العَدِلات" يمكن أن تسبح، ولكن لم يتم إثبات آلية تلك السباحة.

وأظهرت دراسة أخرى أن كريات الدم البيضاء في الفئران يمكن تحريضها على السباحة بشكل مصطنع. ومن المعتقد على نطاق واسع أن السباحة دون سوط تتطلب تغييرات في شكل الخلية، ولكن الآليات الدقيقة الكامنة وراء هجرة كريات الدم البيضاء كانت موضع جدال.

على النقيض من ذلك، من المعروف أن خلايا الثدييات الجسدية تهاجر عن طريق الالتصاق بالأسطح والزحف، ومن المقبول على نطاق واسع أن كريات الدم البيضاء لا يمكن أن تهاجر على الأسطح ثنائية الأبعاد دون الالتصاق بها.

هناك أنواع مختلفة ومتنوعة من الكريات البيضاء، والوظيفة الرئيسية لها هي الدفاع عن الجسم ضد الأمراض المعدية (بروس بلاوس – ويكيبيديا)

أدلة تجريبية

على عكس الدراسات السابقة، يقدم أوليفييه ثيودولي المؤلف المشارك من جامعة إيكس مرسيليا (Aix-Marseille University) في فرنسا، وزميله شوقي مصباح من جامعة غرينوبل ألب (Grenoble Alpes University)، وآخرون أدلة تجريبية وحاسوبية في الدراسة الجديدة على أن كريات الدم البيضاء البشرية يمكن أن تهاجر على أسطح ثنائية الأبعاد دون الالتصاق بها، ويمكنها السباحة باستخدام آلية لا تعتمد على التغييرات في شكل الخلية.

يقول ثيودولي تعليقا على الدراسة في بيان صحفي منشور على موقع "يوريك ألرت" (Eurek Alert)، إن "قدرة الخلايا الحية على التحرك بشكل مستقل رائعة وحيوية للعديد من الوظائف البيولوجية، لكن آليات هجرة الخلايا تظل مفهومة جزئيا".

ويضيف "تسلط النتائج التي توصلنا إليها ضوءا جديدا على آليات الهجرة الأميبية للخلايا، وهو موضوع مهم في أبحاث المناعة والسرطان".

من جهته، يقول مصباح "إن النظر إلى حركة الخلية يعطي التوهم بأن الخلايا تغير من أشكال أجسادها مثل السباحين.. وعلى الرغم من أن كريات الدم البيضاء تعرض أشكالا ديناميكية للغاية، ويبدو أنها تسبح في وضع سباحة الصدر، فإن تحليلنا الكمي يشير إلى أن هذه الحركات غير فعالة لدفع الخلايا".

فحص مجهري مرئي ثلاثي الأبعاد للهيكل الخلوي للخلايا الليمفاوية السابحة يظهر نتوءات تنتقل على طول جسم الخلية (يوريك ألرت)

المحرك الجزيئي

أظهر الباحثون أن الخلايا تجدف باستخدام البروتينات عبر الغشائية، التي تمتد عبر غشاء الخلية وتبرز خارج الخلية، وأن جهاز الجري الغشائي -الحركة الخلفية لسطح الخلية- يدفع هجرة كريات الدم البيضاء في البيئات الصلبة أو السائلة، مع الالتصاق ومن دونه.

وترتبط بعض بروتينات الغشاء بخيوط أكتين دقيقة تشكل جزءا من الهيكل الخلوي وتتقلص للسماح للخلايا بالحركة، ويتم قبول الهيكل الخلوي للأكتين على نطاق واسع باعتباره المحرك الجزيئي الذي يدفع الخلية.

وتوضح النتائج الجديدة أن بروتينات الغشاء المرتبط بالأكتين تحرك الخلية وتدفعها للأمام، في حين أن بروتينات الغشاء المنتشرة بحرية تعوق السباحة.

ويقترح الباحثون أن التجديف المستمر يتم من خلال مجموعة من أجهزة الجري الخارجية المدفوعة بالأكتين، وإعادة التدوير الداخلي لبروتينات الغشاء المرتبطة بالأكتين من خلال النقل الحويصلي.

على وجه التحديد، يتم وضع بروتينات التجديف في الجزء الخلفي من الخلية داخل حويصلة تقطع من غشاء الخلية ويتم نقلها إلى مقدمة الخلية.

على النقيض من ذلك، يتم فرز البروتينات عبر الغشائية، غير المشاركة في التجديف الخلوي، ولا تخضع لعملية إعادة التدوير الداخلية من خلال النقل الحويصلي.

جسر التخصصات

يقول ثيودولي "بدت وظائف فرز البروتينات وتهريبها معقدة للغاية بالنسبة للسباحة، وكانت دراستنا، لدهشتنا، جسرا يربط بين المجالات البعيدة مثل فيزياء السباحات الدقيقة وبيولوجيا حركة الحويصلات".

ويقول الباحثون إن التجديف الجزيئي يمكن أن يسمح للخلايا المناعية باستكشاف جميع المواقع في الجسم بدقة أثناء هجرتها في منافذ مليئة بالسوائل مثل أجزاء الجسم المنتفخة أو المثانة المصابة أو السائل الدماغي النخاعي أو السائل الأمنيوسي.

للمضي قدما، يخطط الباحثون لدراسة ومقارنة وظائف التجديف الجزيئي في بيئات مختلفة وتقييم ما إذا كانت الأنواع الأخرى من الخلايا تستخدم هذا النمط من الهجرة.

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة