السدود تساهم في تآكل الشواطئ بالمغرب العربي

السدود المشيدة على نهر مجردة الذي يصب في خليج تونس منعت الرمال كليا من الوصول للشاطئ (ويكيبيديا)
السدود المشيدة على نهر مجردة الذي يصب في خليج تونس منعت الرمال كليا من الوصول للشاطئ (ويكيبيديا)

كشف باحثون مؤخرا أن السدود في منطقة المغرب العربي تساهم بشكل كبير في تدهور السواحل بمنع كميات هائلة من الرواسب من الوصول إلى البحر.

كما تؤثر هذه المنشآت المائية الحيوية كذلك على نوعية الرواسب مما يحرم الشواطئ من الرمال لعقود طويلة ويفاقم تآكلها المستمر بسبب ارتفاع مستوى البحار.

ووجد الباحثون أن السدود المشيدة على نهر مجردة الذي يصب في خليج تونس على سبيل المثال، قد منعت الرمال كليا من الوصول إلى السواحل طوال العقود الأربعة الماضية، كما احتفظت بحوالي نصف الرواسب بجميع أنواعها.

السدود بين الضرر والضرورة

لضمان إمدادات المياه لسكانها ودفع عجلة الاقتصاد، أطلقت البلدان المغاربية منذ الستينيات برامج واسعة لبناء السدود.

وقدرت دراسات سابقة عدد السدود والبحيرات الجبلية الكبيرة في المنطقة بحوالي 650، تبلغ سعتها الإجمالية لتخزين المياه حوالي 28 مليار متر مكعب اليوم.

وحسب بيان نشر مؤخرا على موقع المركز الوطني الفرنسي للبحوث (CNRS)، فإن "هذه المنشآت ولئن ساهمت في توفير نسبة مهمة من حاجيات المنطقة من الماء، فإنها تمنع الرواسب من الوصول إلى السواحل".

كتب البيان كل من "جيل ماهي" من جامعة مونبلييه (Université de Montpellier) الفرنسية وعلا العمروني من المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيا البحار جامعة قرطاج بتونس و"لوران ديزيلو" من جامعة كان (Université de Caen) الفرنسية.

ولخص البيان نتائج شراكة بحثية بين الجانبين التونسي والفرنسي في إطار برنامج الدراسة المتكاملة للبحر المتوسط إقليميا ومحليا "ميسترال" (MISTRALS).

تآكل الساحل في منطقة غار الملح حيث يصب نهر مجردة (الباحثة علا العمروني)

وقام الباحثون في البرنامج بدراسة طبقات الرواسب المتراكمة في أماكن مختلفة من مجاري الأنهار الرئيسية في المغرب العربي.

وتم ذلك عبر أخذ عينات منها ثم قياس أحجام الحبيبات المكونة للرواسب ودراسة مكوناتها وتاريخ ترسبها باستخدام عنصر "السيزيوم 137" قبل مقارنتها بالسلسلة الزمنية للتدفقات في أقرب المحطات الهيدرولوجية (السدود).

تدهور كمي ونوعي للرواسب

وقد عمل في هذا الإطار فريق بحثي تونسي فرنسي على دراسة التغيرات الكمية والنوعية للرواسب التي يحملها نهر مجردة أكبر الأنهار في تونس والذي أنشئت على مجراه ستة سدود.

وقالت الباحثة الدكتورة علا العمروني رئيسة مشروع التعاون من الجانب التونسي للجزيرة نت عبر الهاتف، "إن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها التي تقيم تغير الرواسب على مدار عقود طويلة كميا ونوعيا بسبب السدود وتأثير ذلك على تآكل السواحل".

وحسب الباحثين، فقد أكدت جميع النتائج أن بناء السدود يحد بشكل كبير من كمية الرواسب المنبعثة في اتجاه مجرى السدود إلى البحر ونوعيتها.

فريق البحث أثناء استخراج طبقات الرواسب من ضفاف نهر مجردة (الباحثة علا العمروني)

وفي حالة نهر مجردة في تونس، يتم الاحتفاظ في السدود بأكثر من 50% من الرواسب التي لم تعد تصل إلى البحر، بسبب بقاء الرمال محاصرة بصورة أساسية في الخزانات، لأنها أثقل من باقي المكونات.

لذا لم تعد الرمال موجودة منذ عقود في طبقات الرواسب المتراكمة التي تم جمعها من مجرى في المناطق القريبة من الدلتا.

تقول الدكتورة علا، "ما لاحظناه هو تراجع كميات الرواسب التي تصل إلى السواحل مع مرور الزمن، إضافة إلى غياب كلي لبعض مكوناتها التي تساهم في تثبيت الشواطئ ومنع تآكلها مثل الرمال".

واستنتج الباحثون أن ساحل خليج تونس، على سبيل المثال، لم يتلق رملا من اليابسة منذ 40 عاما تقريبا!

تآكل السواحل

يقول الباحثون إن هذا التغير الكمي والنوعي في الرواسب بسبب بناء السدود أدى إلى تسارع التآكل الساحلي الذي بدأ بالفعل بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر.

وقد تمت مقارنة صور الأقمار الصناعية الحديثة التي التقطت عام 2016 للمصب الطبيعي لنهر مجردة في البحر، بصور جوية تعود إلى سنوات 1936، و1974 و1988 و1999.

وكشفت المقارنة للباحثين أن تراجع السواحل بلغ وتيرة غير مسبوقة في بعض المناطق وصلت إلى 20 مترا في العقد، وتقول الدكتورة علا "يمكن ملاحظة التآكل بالعين المجردة في بعض المناطق بين سنة وأخرى".

شكل السواحل تغير خلال العقود الماضية في ملتقى نهر مجردة بالبحر (الباحث عبد الرؤوف الحزامي)

ويبدو أن اختيار الإدارة طويلة الأجل لموارد المياه من خلال تخزين الجريان السطحي في السدود له عواقب بيئية سلبية رغم أن توفير المياه ضروري للتنمية الاجتماعية والاقتصادية كما يذكر البيان.

لذا يتعين إيجاد حل عاجل لإطلاق الرواسب نحو البحر، من أجل إبطاء التآكل الساحلي والحفاظ على التنوع البيولوجي الساحلي.

من جانبها، ترى الدكتورة علا العمروني أن الحل يكمن في التغذية الصناعية للشواطئ بكميات الرمال والرواسب العالقة في السدود والتي تحد من قدرتها على تخزين الماء مع مرور الزمن، وهو ما يمكّن من إصابة عصفورين بحجر واحد.

المصدر : الصحافة الفرنسية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة