قيعان البحار.. مستودعات ضخمة للنفايات البلاستيكية الدقيقة

الميكروبلاستيك في البيئة البحرية (ويكيبيديا)
الميكروبلاستيك في البيئة البحرية (ويكيبيديا)
طارق قابيل

رغم إلقاء أكثر من عشرة ملايين طن من النفايات البلاستيكية في البحار والمحيطات كل عام، فإننا في الواقع لا نرى سوى 1% منها فقط، وهو الجزء الذي يطفو فوق السطح فقط.

فماذا حدث لنسبة 99% الباقية من النفايات البلاستيكية؟ وماذا لو كانت "بقع القمامة المحيطية العظيمة" هذه مجرد غيض من فيض؟ أو رأس جبل الجليد؟

وجد فريق دولي من الباحثين البريطانيين والألمان والفرنسيين إجابة لهذه التساؤلات، وفي دراستهم المنشورة في دورية "ساينس" العلمية الشهيرة يوم 30 إبريل/نيسان الماضي، أكدوا أن التيارات البحرية القوية تقود المواد البلاستيكية الدقيقة المعروفة بالميكروبلاستيك على طول قاع البحر إلى "انجرافات" كبيرة، حيث تتركز هناك بكميات مذهلة.

ووجد الفريق البحثي حوالي 1,9 مليون قطعة من الميكروبلاستيك في طبقة يبلغ سمكها 5 سم وتغطي مترا واحدا فقط، وهي أعلى مستويات الميكروبلاستيك المسجلة حتى الآن في قاع المحيطات.

تأثير التيارات المائية
وتم العثور على الميكروبلاستيك في قاع البحار في جميع أنحاء العالم، ولم يكن العلماء متأكدين من كيفية وصوله إلى هناك وكيفية انتشاره.

ظن العلماء أنه سوف ينفصل حسب حجمه أو كثافته بطريقة مشابهة للرواسب الطبيعية، لكن الميكروبلاستيك مختلف إلى حد ما، فبعضه يطفو، ولكن أكثر من نصفه يغرق.

من المعروف أن قطع البلاستيك الكبيرة تتفسخ تدريجيا إلى شظايا أصغر في المحيط، حتى تتشكل جزيئات من الميكروبلاستيك أصغر من 5 مم مع مرور الزمن بتأثير العوامل الطبيعية.

ويمكن أن تغرق المواد البلاستيكية التي كانت تطفو بمجرد أن تصبح مغطاة بالطحالب، أو إذا ارتبطت بمعادن لزجة ومواد عضوية أخرى.

‪الميكروبلاستيك في رواسب الأنهار (ويكيبيديا)‬ الميكروبلاستيك في رواسب الأنهار (ويكيبيديا)

وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الأنهار تنقل الميكروبلاستيك إلى المحيط أيضا، وكشفت التجارب المعملية أن الانهيارات الثلجية العملاقة يمكن أن تنقل هذه الجسيمات الدقيقة على طول أخاديد أعماق البحار إلى أعماق أكبر.

واكتشف الباحثون كيف تنقل شبكة عالمية من التيارات البحرية في أعماق البحار الميكروبلاستيك، مما يخلق نقاطا بلاستيكية ساخنة داخل انجرافات الرواسب الشاسعة. ومن خلال ركوب هذه التيارات يتراكم الميكروبلاستيك في أعماق البحار حيث تكون أشكال الحياة وفيرة.

ومسح الباحثون خلال الدراسة منطقة من البحر الأبيض المتوسط ​​قبالة الساحل الغربي لإيطاليا، تعرف باسم البحر التيراني، ودرسوا التيارات المائية السفلية التي تتدفق قرب قاع البحر.

هذه التيارات مدفوعة بالاختلافات في ملوحة المياه ودرجات الحرارة، ويمكن أن يصل انجراف الرواسب في قاع البحر إلى عدة كيلومترات بارتفاع مئات الأمتار، وينتهي حيث تفقد هذه التيارات قوتها.

نوع خبيث
حلل الباحثون عينات الرواسب من قاع البحر المأخوذة من أعماق 
عدة تصل إلى مئات الأمتار، وفصلوا الميكروبلاستيك عن الرواسب في المختبر، ثم قاموا بِعدها تحت المجاهر، وتحليلها باستخدام التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء لمعرفة أنواع البوليمرات البلاستيكية الموجودة بها.

ووجد الباحثون أن معظم الميكروبلاستيك الموجود في قاع البحر هو ألياف من الملابس والمنسوجات، وهذا النوع الخبيث بشكل خاص يمكن أن تأكله وتمتصه الكائنات الحية.

‪يتحلل الحطام البلاستيكي ويغرق في قاع المحيط وتكنسه التيارات البحرية في انجرافات شاسعة (ذي كونفرزيشن)‬ يتحلل الحطام البلاستيكي ويغرق في قاع المحيط وتكنسه التيارات البحرية في انجرافات شاسعة (ذي كونفرزيشن)

ورغم أن الميكروبلاستيك من تلقاء نفسه غالبا ما يكون غير سام، فإن الدراسات تظهر أن تراكم السموم على أسطحه يمكن أن يضر بالكائنات الحية إذا تناولته.

تحمل تيارات المحيطات العميقة أيضا الماء المؤكسج والمغذيات، مما يعني أن النقاط الساخنة لقاع البحر حيث يتراكم الميكروبلاستيك قد تكون أيضا موطنا لنظم إيكولوجية مهمة مثل الشعاب المرجانية في أعماق البحار التي تطورت لاعتمادها على هذه التدفقات، ولكنها تتلقى الآن كميات هائلة من الميكروبلاستيك.

مشكلة خفية
يعد الميكروبلاستيك نوعا من أنواع التلوث المستدام ذي التأثير السلبي على النظم البيئية، وخاصة البحرية منها.

‪يهدد الميكروبلاستيك نظم إيكولوجية مهمة مثل الشعاب المرجانية في أعماق البحار (ويكيبيديا)‬ يهدد الميكروبلاستيك نظم إيكولوجية مهمة مثل الشعاب المرجانية في أعماق البحار (ويكيبيديا)

ما اكتشفه الباحثون كان مشكلة خفية، فالتيارات الطبيعية وتدفق النفايات البلاستيكية إلى المحيط يحول أجزاء من قاع البحر إلى مستودعات ضحمة للنفايات البلاستيكية الدقيقة.

ووجد العلماء أن الملابس التي قد تستمر لأسابيع فقط في خزانة ملابسك لا تزال تلوث قيعان البحار والمحيطات لمدد طويلة قد تصل إلى قرون، مما قد يضر بالمخلوقات الحية الفريدة التي تعيش هناك.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في أحدث مؤشر على مدى انتشار التلوث بالبلاستيك في كوكب الأرض، وجد فريق من الباحثين البريطانيين نوعا جديدا من التلوث ناجما عن أنواع من البلاستيك متخفية في صورة حصى صخري.

23/8/2019
المزيد من علوم
الأكثر قراءة