أنماط هجرة الظباء تكشف سر النجاة من "عنق الزجاجة السكانية"

أظهرت الدراسة أن وعل القصب لم يظهر أي حاجة للهجرة (يوريك ألرت)
أظهرت الدراسة أن وعل القصب لم يظهر أي حاجة للهجرة (يوريك ألرت)

على ساحل مغمور في جنوب أفريقيا تقع بلدة "بيناكل بوينت" التي تحتوي على سلسلة أثرية من أهم المواقع في العالم لدراسة الأصول البشرية الحديثة.

حديثا، قامت جامي هودجكينز الأستاذة المساعدة لدراسة علوم الإنسان في جامعة كولورادو دنفر، وفريقها بالتنقيب عن أي أسنان لكائنات قديمة اعتمدت في غذائها على العشب.

ووجد الباحثون في دراستهم التي نشرت بدورية "كواترنري ساينس ريفيوز" في الأول من مايو/أيار الحالي، أن العديد من الحيوانات المحلية سكنت ذلك المكان الغني والمتنوع بيئيا. وهذا يفسر لنا السبب وراء ازدهار الجنس البشري في هذا المكان.

موطن أول بشري حديث

أعاد الجرف المغمور والمعروف بسهل "باليو-أغولهاس" مهد البشرية إلى الأذهان مرة أخرى، والموقع الغارق حاليا على الطرف الجنوبي من أفريقيا كان جافا ومرتفعا خلال الفترات الجليدية منذ 2 مليون سنة ماضية.

لذا عمل العلماء لعقود في محاولة منهم لإعادة إحياء هذا المكان على النحو الذي كان عليه أثناء العصر الجليدي، أي منذ 2.6 مليون سنة حتى 11,700 سنة مضت.

بمجرد أن حوى سهل باليو-أغولهاس تنوعه البيئي الخاص هذا، أصبح موطنا للجنس البشري الحديث، وعرفنا ذلك من خلال الأدلة الوفيرة التي تبيّن سلوك وثقافة البشر الذين كانوا يسكنون ويصطادون في هذه المنطقة منذ 170 ألف سنة مضت.

ينقل موقع "يوريك ألرت" عن هودجكينز قولها "أصبح هذا الجرف الساحلي مكشوفا خلال الدورات الجليدية. ولربما كانت هنالك مساحة كبيرة من اليابسة أمام هذه الكهوف. لذا اعتقدنا أن البشر والحيوانات آكلة اللحوم كانوا يصطادون الحيوانات أثناء هجرتها شرقا وغربا فوق ذلك الجرف المكشوف".

سلاسل كهوف "بيناكل بوينت" وفرت الأدلة الأثرية على وجود البشر هناك (ويكيبيديا)

عمليات تثبيت الكربون

لفهم أنماط الهجرة، درست هودجكينز وفريقها نظائر الكربون والأكسجين داخل مينا الأسنان للعديد من الحيوانات العاشبة الكبيرة، بما في ذلك وعل القصب، أحد أنواع الظباء الأفريقية غير المهاجرة.

يمكن أن تكشف مينا الأسنان عن نمط الهجرة، إذا تتبعنا مستويات الكربون المتغيرة نتيجة لما يأكله الحيوان من نباتات أثناء نمو أسنانه، حيث تقوم النباتات بعملية تثبيت الكربون أثناء عملية التمثيل الضوئي.

وتعتمد معظم النباتات والأشجار على "التمثيل الضوئي ثلاثي الكربون" بشكل عام في البيئات الأكثر رطوبة وبرودة. في حين تعتبر البيئات الأكثر سخونة وجفافا موطنا للنباتات التي تقوم بـ"التمثيل الضوئي رباعي الكربون".

تهاجر الحيوانات متبعة أنماط المطر إما شرقا بحثا عن مطر الصيف لتجد نباتات التمثيل الضوئي ثلاثي الكربون، وإما غربا لمطر الشتاء حيث نباتات التمثيل الضوئي رباعي الكربون.

وبالتالي فإذا كان نمط الهجرة ينتقل بين منطقتين صيفية وأخرى شتوية، فإن مينا الأسنان -أثناء نموها- سوف تسجل ذلك التغير السنوي في التغذية انتقالا بين نمطي التمثيل الضوئي.

البيئة المتنوعة منعت الثور الأفريقي أيضا من الهجرة (يوريك ألرت)

سعداء دون هجرة

فحصت هودجكينز وفريقها مينا الأسنان لوعل القصب الأفريقي غير المهاجر بوصفه المجموعة الضابطة لتجربتهم. ووجدوا أنها بذات النمط الذي لوحظ في غيره من الحيوانات المهاجرة مثل الثور الأفريقي وثيتل الهرتبيس والقَوْفَز.

ويعني هذا أن تلك الحيوانات كانت سعيدة بوجودها في هذا المكان دون حاجة للهجرة، وتعلق هودجكينز قائلة "لم تجد تلك الحيوانات صعوبة للعيش في "بيناكل بوينت" لأن الأنهار الغزيرة هناك قد دعمت ذلك الساحل الواسع، وبالتالي فلم تعد هجرة الحيوانات ضرورية في ذلك المكان الرائع الوفير بالموارد".

وتضيف "بانكشاف الساحل القريب من الكهوف أثناء الفترات الجليدية، كان للبشر موارد بحرية أخرى كالمحار. ومع اتساع ذلك الساحل سيطر الصيادون على بيئة أرضية غنية. وبالتالي فلم يحتج الصيادون إلى التنقل بينما تتوفر لديهم كل هذه الحيوانات العاشبة في الأرجاء".

شكل تخيلي لثوران توبا البركاني قبل 74 ألف سنة (يوريك ألرت)

جنة على الأرض

أيد هذا الاكتشاف بحثا أجري في عام 2018. فقبل 74 ألف سنة ماضية تسببت إحدى أكبر ثورات البراكين على الأرض -في جبل توبا في سومطرة بإندونيسيا- في خلق شتاء عالمي. وأثر ذلك على التعداد السكاني، وأوصلهم إلى مرحلة "عنق الزجاجة السكانية"، حيث انخفض تعداد الحيوانات والبشر بشكل كبير.

ووجد الباحثون في 2018 أن البشر في "بيناكل بوينت" لم ينجوا فحسب، بل ازدهروا في هذه الجنان. وقالت هودجكينز "يبدو أن أنماط الهجرة تتغير تبعا لانتقال الخط الساحلي قربا وبعدا، وذلك خلال الدورات الجليدية".


حول هذه القصة

نال الدكتور إبراهيم رزقانة درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة عن «الجغرافيا التاريخية لشرق الدلتا» من واقع النصوص المصرية القديمة»، وقد نُقل أستاذا مساعدا بقسم الجغرافيا بجامعة القاهرة.

المزيد من علوم
الأكثر قراءة