باحث سوري يشارك بكشف أسرار البناء الذاتي للخلايا الحية

التجمع الذاتي هو عملية تكتسب الجزيئات من خلالها ترتيبا محددا بفضل ديناميكيتها الذاتية (يوريك ألرت)
التجمع الذاتي هو عملية تكتسب الجزيئات من خلالها ترتيبا محددا بفضل ديناميكيتها الذاتية (يوريك ألرت)

شادي عبد الحافظ

أعلن فريق بحثي من جامعة بيلكنت التركية اكتشافه آليات عمل عامة تحكم عملية "التجمع الذاتي"، وهي العملية التي يمكن أن تبني بلورة من ذرات بسيطة، أو خلية حية أكثر تعقيدا بكثير، بالطريقة نفسها.

التجمع الذاتي
يقول د. غيث مكي، الباحث من جامعة بيلكنت، في تصريح للجزيرة نت عبر تطبيق زوم (Zoom)، "التجمع الذاتي هو عملية تكتسب الجزيئات من خلالها ترتيبا محددا بفضل ديناميكياتها الذاتية". ومكي هو المؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة الخاصة بهذا الفريق، والتي نشرت في 20 أبريل/نيسان بدورية "نيتشر فيزيكس".

لفهم الأمر تخيل أن هناك أحجية ورقية قد تجمعت أجزاؤها لتصنع صورة كاملة بمجرد نقر الطاولة فقط، يحدث ذلك بفعل ديناميكيتها الداخلية، وفي الطبيعة يحدث شيء شبيه، حيث تتجمع الجزيئات والخلايا معا لصنع جسم أكثر انتظاما وتعقيدا.

وحينما تغسل يديك بالصابون فإن جزيئات الصابون تتجمع حول الأوساخ من تلقاء نفسها، بحكم طبيعتها الفيزيائية وبعد تحفيزها بالتماس مع سطح الجلد، وهذا هو السبب في قدرة الصابون على التنظيف، لكن على الرغم من رصدنا للظاهرة في الطبيعة على نطاق واسع، فإن الديناميكيات التي تحكمها غير مفهومة بشكل كامل.

تقول الدكتورة سيريم إيلداي، من الجامعة نفسها والباحثة المشرفة على هذا البحث، في تصريح لـ الجزيرة.نت عبر تطبيق زوم، "معظم التجارب التي تقام في هذا النطاق تحاول التحكم بعملية التجمع الذاتي ضمن نظم كيميائية تتطلب محفزات كيميائية وظروفا محددة، لذلك لا يمكن تطبيقها بشكل أوسع".

وتوضح سيريم أن تجربتهم، في المقابل، تعمل على فهم القوانين الفيزيائية التي تحكم العلاقة بين الجزيئات في أثناء التجمع الذاتي، وهذا أمر يمكن تطبيقه على طيف واسع من الجسيمات والخلايا.

نمط واحد
يقول الدكتور عمر إيلداي، الفيزيائي والمؤلف المشارك في الدراسة نفسها، في تصريح للجزيرة.نت، إن ذلك مكّن الفريق من التوصل إلى أن الجزيئات، بأنواعها المختلفة سواء كانت وحدات كمومية صغيرة جدا أو تجمعات هائلة من تريليونات الذرات، تتجمع معا عبر نموذج رياضي واضح في شكل يسمى "بالدالة السينية".

‪هناك تطبيقات مبشرة وواسعة لآلية التجمع الذاتي (بيكساباي)‬ هناك تطبيقات مبشرة وواسعة لآلية التجمع الذاتي (بيكساباي) 

بجسب الدراسة، فإن هذا النموذج الرياضي يمكن أن يمتد لشرح نطاق أعمق من الظواهر، حيث تتمكن الخلايا البكتيرية -على سبيل المثال- من التجمع ذاتيا بالطريقة نفسها في أثناء انتشارها، ويمتد الأمر بحيث يمكن أن يفسر سلوكيات أكثر تعقدا في نطاقات غير فيزيائية، مثل حركة المنظومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

"عمومية هذه القوانين مثيرة للانتباه"، كما تقول سيريم إيلداي للجزيرة.نت، وتضيف "يفتح ذلك الباب لفهم جوهري للكيفية التي تتعامل بها المنظومات بغض النظر عن طبيعتها، سواء كانت فيزيائية أو كيميائية أو بيولوجية، حيث يظهر أنها تخضع للقوانين ذاتها".

تطبيقات واعدة
لكن إلى جانب الفوائد النظرية التي يمكن أن تخرج من وراء تلك الدراسة، فإن مكّي يشرح للجزيرة نت أن هناك تطبيقات مبشرة وواسعة لهذه الآلية، حيث يمكن أن تستخدم، على حد تعبيره، لتجربة قدرة الأدوية المختلفة على إنهاء بعض الأمراض البكتيرية في غرف العناية المركزة بالمستشفيات بشكل سريع، من خلال تحفيز عينات من هذه البكتيريا للتجمع الذاتي، ثم اختبار الجرعات الدوائية المختلفة عليها.

من جهة أخرى، وبحسب الدراسة، فإن فهم الكيفية التي تنتظم بها الجزيئات النانوية معا، عبر الآلية نفسها، يفتح الباب لإمكانيات غير محدودة في النانوتكنولوجي من ناحية التطبيقات، وسرعة التصنيع.

وبحسب تعبير عمر إيلداي في حديثه للجزيرة نت، فإن الفريق البحثي يأمل أن تساعد تلك النتائج في تطوير فهم أفضل لأنماط الانتظام الذاتي التي تتبعها المنظومات الحية وغير الحية في الطبيعة، مما يفتح الباب لإمكانات مستقبلية كبيرة.

ونال غيث مكي شهادة الدكتوراه في علوم الليزر وتطبيقاته بمرتبة الشرف من جامعة دمشق عام 2015، وانتقل بعدها ليعمل مع مجموعة بحثية في جامعة بيلكنت في أنقرة، ونشر حتى الآن 11 ورقة بحثية، خمس منها في دوريات نيتشر، ويهتم بموضوعات تشمل الهولوغرافيا، وتطبيقات الليزر، والتجمع الذاتي، ويهتم حاليا بالفهم الدقيق لليزر فائق السرعة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة