تغيير ارتفاعات تحليق الطائرات يقلل من الاحتباس الحراري

عند تغيير 2% من ارتفاعات رحلات الطيران تقل الآثار المناخية السلبية لتكاثف عوادمها بنسبة 59% (بيكسابي)
عند تغيير 2% من ارتفاعات رحلات الطيران تقل الآثار المناخية السلبية لتكاثف عوادمها بنسبة 59% (بيكسابي)

محمد رمضان

في إطار السعي المحموم لمجابهة الاحتباس الحراري وعواقبه الوخيمة، وجد فريق من العلماء بجامعة "إمبريال كوليدج لندن" أن قيام الطائرات بالتحليق على ارتفاعات أقل أو أعلى بعض الشيء من شأنه تقليل الآثار المناخية الناجمة عن تكاثف عوادمها بنسبة ملحوظة وغير متوقعة.

التأثير المناخي للنقل الجوي
كشفت الدراسة المنشورة منتصف فبراير/شباط الجاري بدورية "إنفيرومينتال ساينس أند تكنولوجي" -التابعة لمجموعة الدوريات الصادرة عن الجمعية الأميركية للكيمياء- أنه لدى قيام حوالي 2% فقط من رحلات الطيران بالتحليق على ارتفاعات أعلى أو أقل بمقدار ألفي قدم (610 أمتار) سيؤدي ذلك لتقليل الآثار السلبية لتكاثف عوادمها على التغير المناخي بنسبة كبيرة تبلغ 59%.

يعلق على ذلك مارك سيتلر الباحث الرئيسي بالدراسة -عبر البيان الصحفي- قائلا "وفقا لدراستنا، يمكن لتغيير ارتفاع تحليق عدد بسيط من رحلات الطيران أن يقلل بشكل ملحوظ من تأثيرات مسارات التكاثف الناجمة عنها على المناخ. حيث يمكن لهذه الطريقة الجديدة أن تقلل من التأثير المناخي للنقل الجوي بشكل سريع".

وتعد صناعة النقل الجوي من الصناعات شديدة التلويث للبيئة، والتي تساهم بشكل مباشر في تفاقم تغير المناخ.

ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الهائلة بعوادم الطائرات. إلا أن هناك سببا آخر لا يقل خطورة عن تلك الانبعاثات الكربونية، والذي يعرف باسم مسارات التكاثف.

مسارات التكاثف
لدى خروج عوادم الطائرات المحملة بالغازات الساخنة إلى الهواء البارد ذي الضغط المنخفض بطبقات الجو العليا، تتكثف تلك العوادم مكونة خطوطا بيضاء تشبه السحب يطلق عليها مسارات التكاثف.

تتسبب مسارات التكاثف تلك في زيادة احترار الكوكب عبر حبس الأشعة تحت الحمراء بكوكب الأرض، وبالوقت ذاته عكس الإشعاعات قصيرة الموجات إلى الفضاء الخارجي، الأمر الذي يعرف بالتأثير الإشعاعي.

مسارات التكاثف والسحب تزيد من حرارة المناخ بما يكافئ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن النقل الجوي (بيكسابي)

ويقدر العلماء أن التأثير الناجم عن مسارات التكاثف والسحب معا على زيادة حرارة المناخ مكافئ للتأثير الناجم عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الكلية الناجمة عن صناعة النقل الجوي والطيران.

وهذا ما دفع الفريق البحثي إلى إيجاد طرق جديدة لخفض الآثار المناخية الناجمة عن صناعة النقل الجوي، وذلك من خلال التركيز على مجابهة آثار مسارات التكاثف، بدلا من التفكير التقليدي بخفض الانبعاثات الكربونية للطيران عبر استخدام وقود أقل تلويثا للبيئة أو محركات احتراق أكثر كفاءة بالطائرات.

تغيير ارتفاعات التحليق
قام العلماء باستخدام محاكاة حاسوبية للتنبؤ بكيفية تأثير تغيير ارتفاعات تحليق الطائرات على تقليل تكون مسارات التكاثف المنبعثة منها. إذ إن مسارات التكاثف تتكون فقط بطبقات معينة من الغلاف الجوي تتسم بقلة سماكتها وباحتوائها على نسبة عالية من الرطوبة. وبالتالي فإن تغيير ارتفاع التحليق لتجنب تلك المناطق سيؤدي إلى تكون مسارات التكاثف بنسبة أقل.

ولدى تطبيق تلك المحاكاة الحاسوبية باستخدام بيانات حركة الطيران فوق المجال الجوي الياباني -الذي يتسم بازدحامه الشديد- اكتشف الباحثون أن 80% من التأثير الإشعاعي لمسارات تكاثف الطائرات ينتج عن 2% فقط من رحلات الطيران. الأمر الذي يعني أن تغيير ارتفاع طيران تلك الرحلات فقط سيكون بالغ الأثر.

ويوضح ذلك روجر تيوه أحد الباحثين المشاركين بالدراسة -عبر البيان الصحفي- قائلا "إن استهداف هذا العدد الضئيل من رحلات الطيران المسؤولة عن غالبية مسارات التكاثف، عبر تغيير ارتفاعات تحليقها بشكل بسيط، يمكنه خفض تأثيرات مسارات التكاثف على الاحتباس الحراري بشكل ملحوظ".

حل بسيط وتأثير كبير
أكدت نتائج المحاكاة الحاسوبية أن تغيير ارتفاع تحليق 2% من رحلات الطيران بمقدار ألفي قدم (610 أمتار) سواء للأعلى أو للأسفل سيؤدي إلى خفض التأثيرات المناخية الناجمة عن مسارات التكاثف بنسبة 59%.

وفي الوقت ذاته سيتسبب هذا التغيير في زيادة استهلاك تلك الطائرات للوقود بنسبة 0.1% فقط، مما يعني أن تقليل التأثيرات المناخية الناجمة عن مسارات التكاثف يفوق بكثير زيادة الانبعاثات الكربونية الناجمة عن زيادة استهلاك الوقود الطفيفة.

إن هذه الطريقة برغم بساطتها قد تساهم في مجابهة العواقب المناخية السلبية لصناعة النقل الجوي بشكل كبير.

ويوضح الفريق البحثي أن تبني الحلول الأخرى بجانب تغيير ارتفاعات تحليق بعض رحلات الطيران -مثل استخدام وقود نظيف أو محركات طائرات أكثر كفاءة- قد يحد من التأثيرات المناخية لمسارات التكاثف بنسبة قد تصل إلى 90%.

المصدر : الجزيرة