قردة البابون المحنطة في مصر القديمة تكشف سر الموقع المجهول لبلاد بونت

جدارية تصور سفينة مصرية عائدة من بلاد بونت جالبة قردة البابون (الصحافة الأجنبية)
جدارية تصور سفينة مصرية عائدة من بلاد بونت جالبة قردة البابون (الصحافة الأجنبية)

كانت بلاد بونت مركزا وشريكا تجاريا رئيسا لقدماء المصريين لفترة لا تقل عن 1100 عام. فقد كانت مصدرا مهما للسلع الكمالية كالبخور والذهب وجلود النمور وقردة البابون الحية.

غير أن موقع هذه البلاد الجغرافي ظل موضع جدل بين العلماء طيلة 150 عاما. إذ يعتقد العلماء أنها تقع في منطقة ما مطلة على خليج عدن؛ إما في الناحية الأفريقية أو في شبه الجزيرة العربية.

لكن دراسة علمية حديثة نُشِرت نتائجها في دورية "إي لايف" (eLife) في 15 من ديسمبر/كانون الأول الحالي استطاعت تحديد موقع بلاد بونت اعتمادا على الأصل الجغرافي لقرد البابون الذي قام المصريون القدماء بتحنيطه.

الدراسة قادها علماء من كلية دارتموث Dartmouth College بالولايات المتحدة بالتعاون مع عالمة المصريات الدكتورة سليمة إكرام من الجامعة الأميركية بالقاهرة American University in Cairo.

وفي الدراسة قام العلماء بتحليل نظائر العناصر المكونة لأجساد البابون المُحنَّطة والمكتشفة في معابد ومقابر القدماء المصريين، ومن ثم مقارنتها بقرد البابون الحديث الموجود في شرق أفريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية.

التبادل التجاري بين مصر وبونت أدى إلى تطوير التكنولوجيا البحرية (نينا إم دافيس-ويكيبيديا)

تبادل تجاري مبكر

وطبقا للبيان الصحفي الذي نشرته كلية دارتموث، فقد صرح ناثانيل دوميني قائد الدراسة بأن "الرحلات البحرية لمسافات طويلة بين مصر وبونت كانت نقطة هامة في تاريخ البشرية. ذلك لأن البضائع المستوردة، بما فيها قرد البابون، كانت دافعا رئيسا وراء التطور المبكر للتكنولوجيا البحرية".

كانت حركة التجارة بين مصر وبونت بمثابة الخطوة المِلاحية الأولى في طريق بحري وتجاري متشابك عُرِف باسم طريق التوابل، الذي سيسهم في تشكيل الثروات الجيوسياسية لآلاف السنين بعدها.

ويصف دوميني حركة التبادل التجاري بين مصر وبونت بأنها كانت "بداية العولمة الاقتصادية".

وبالطبع، فقد لعب قرد البابون دورا محوريا في حركة التجارة تلك. إذ تشير أقدم الأدلة التي يعود تاريخها إلى 3 آلاف عام قبل الميلاد أن المصريين القدماء كانوا يُبَجِّلون قرد البابون لدرجة التأليه.

كما زُيِّنت اللوحات الجدارية والأعمال الأخرى برسوم لقرد البابون (Papio hamadryas) وهو جالس وذيله ملتف إلى يمين جسده. كما حُنِّطَ هذا النوع من القردة في نفس الوضع الذي رُسِم به بقطع من الكتان الملفوف بعناية حول الأطراف والذيل. وحنط أحد أنواع البابون الأخرى، بابون أنوبيس (Papio anubis) بشكل يعكس كونه أقل تقديرا.

قرد البابون المحنط ساعد على تحديد موقع بلاد بونت (يوريك ألرت)

آلية جديدة لتحديد الموقع

قام العلماء بقياس نظائر عنصري الأكسجين والسترونشيوم لمعرفة الأصول الجغرافية لقرد البابون المحنط من عصر الدولة الحديثة (1550-1069 سنة قبل الميلاد) الموجود في المتحف البريطاني، ولآخر من العصر البطلمي (305-30 سنة قبل الميلاد) موجود في متحف بتري للآثار المصرية في كلية لندن الجامعية University College London بالمملكة المتحدة.

وقارن العلماء ذلك بالنتائج التي حصلوا عليها من 155 من قردة البابون الحديثة التي جُمِعَت من 77 موقعا مختلفا في شرق أفريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية.

يوجد السترونشيوم في الطبقات الصخرية للتربة ويعد مميزا لبعض المواقع الجغرافية دون غيرها، وعندما يتحلل هذا العنصر، يتسلل إلى التربة والماء ومن ثم يدخل ضمن عناصر الشبكة الغذائية الخاصة بذلك الموقع.

وعندما تتغذى الحيوانات في تلك المناطق تحصل على مقدار من العنصر الذي يدخل في تكوين أسنانها وشعرها وعظامها. وبالتالي يستطيع العلماء تحديد الموقع الجغرافي لو أظهرت تحليلاتهم، لمينا الأسنان مثلا، احتواءها على عنصر السترونشيوم.

كما قِيسَت نظائر الأكسجين -العنصر المكون لماء الشرب والذي تختلف نظائره باختلاف المواقع الجغرافية- كمؤشر لمعرفة الفترة التي عاشتها القردة في مصر.

الموقع المحدد لاثنين من قردة البابون المحنطة (يوريك ألرت)

موقع بلاد بونت

أظهرت النتائج أن اثنين من قردة البابون المُقَدَّس المحنطة من عصر الدولة الحديثة قد جاءا على الأرجح من إريتريا أو إثيوبيا أو الصومال. كما أظهرت نظائر الأكسجين أن قردة البابون المقدس لم تعش سوى أيام أو أشهر قصيرة بعد وصولها لمصر، وهو وقت غير كاف لتترك نظائر الأكسجين الناتجة عن شرب القردة للمياه المصرية بصمة لها في مينا الأسنان.

كما أظهرت 5 من قردة البابون أنوبيس -المحنطة في العصر البطلمي- مستويات من السترونشيوم المحلية التي تعكس أن أصلها الجغرافي كان مصريا، وهو ما يضعنا أمام احتمالية محيرة بوجود برنامج لتربية قردة البابون في الأَسْر في ذلك الوقت من تاريخ مصر في منف، عاصمة مصر القديمة الموجودة في شمال غرب البحر الأحمر.

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة