نهج وراثي جديد لدراسة تفاعلات الفيروسات والميكروبات

تشن فيروسات البكتيريوفاج التي تغزو البكتيريا هجمات عالية الدقة، وتتعلق بجدار خلية البكتريا (غراهام بيردز– ويكيبيديا)

في ظل توحش البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية، يبحث العلماء باستمرار عن طرق جديدة ومحسنة للتعامل مع البكتيريا، سواء كان ذلك للقضاء على السلالات المسببة للأمراض أو لتعديل السلالات المفيدة لاستغلالها في الطب والزراعة والصناعة ومداواة البيئة.

ورغم التقدم الكبير في تقنيات الهندسة الوراثية والتوصل للعقاقير الذكية وأدوات تحرير الجينوم التي ابتكرها البشر لهذه المهام، فإن هذه الأساليب قد تبدو خرقاء عند مقارنتها بالهجمات عالية الدقة التي تشنها العاثيات، أو الفيروسات التي تغزو البكتيريا. وتنتج هذه المعارك الخفية الدائمة من أجل البقاء ترسانات جزيئية متنوعة بشكل لا يصدق ويتوق الباحثون لدراستها، لكن القيام بذلك يمكن أن يكون شاقا ويتطلب عمالة مكثفة.

ولاكتساب نظرة ثاقبة لهذه الإستراتيجيات الدفاعية، طور فريق من مختبر لورنس بيركلي الوطني الأميركي (Lawrence Berkeley National Laboratory) 3 تقنيات يمكن أن تكشف عن المستقبلات البكتيرية التي تستغلها العاثيات لإصابة الخلية، وكذلك الآليات الخلوية التي تستخدمها البكتيريا للاستجابة لعدوى العاثيات.

وكما ورد في دورية "بلوس بيولوجي" (PLOS Biology)، في البحث المنشور بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول توصل العلماء لطريقة جديدة فعالة وغير مكلفة باستخدام نهج ثلاثي الشعب، لإنشاء عمليات حذف الجينات، وكذلك زيادة التعبير الجيني لتحديد الجينات التي تستخدمها البكتيريا لتفادي العاثيات.

تخبر هذه المعلومات العلماء أيضا عن المستقبلات التي تستهدفها العاثيات دون الحاجة إلى تحليل جينومات العاثيات. ومع ذلك، فإن العلماء يخططون بالفعل لتكييف التقنية لاستخدامها على الفيروسات في المستقبل، لمعرفة المزيد عن وظيفتها.

 

الكائنات الأكثر وفرة

فيروسات البكتيريوفاج (العاثيات) التي تغزو البكتيريا من أكثر الكائنات الحية شيوعا على سطح الأرض، وتوجد منها مليارات في أمعاء الإنسان، وتقوم بحماية الإنسان من البكتيريا الضارة إن أصابت أمعاءه، وتتعلق بها وتخترق جدار الخلية وتدخل فيها وتتكاثر. بعد ذلك تنفجر خلية البكتريا ويخرج منها عدد كبير من تلك الفيروسات، مما يساعد الإنسان على التخلص من البكتريا الممرضة.

ومثل الطفيليات الأخرى، تطور العاثيات باستمرار طرقا لاستهداف واستغلال السلالة البكتيرية المضيفة لها، وفي المقابل فإن البكتيريا تطور باستمرار وسائل للتهرب منها.

يقول فيفيك موتاليك عالم أبحاث في قسم جينوميات البيئية وبيولوجيا الأنظمة (EGSB)، بمختبر لورنس بيركلي الوطني في بيان صحفي لمركز أبحاث المختبر "رغم ما يقرب من قرن من العمل الجزيئي، فإن الآليات الأساسية لتفاعلات العاثية مع المضيف معروفة فقط لعدد بسيط من العلماء، حيث يكون المضيف كائنا نموذجيا مدروسا جيدا ويمكن تربيته في المختبر".

وأضاف "مع ذلك، فإن العاثيات تمثل الكيانات البيولوجية الأكثر وفرة على الأرض، وبسبب تأثيرها على البكتيريا، فهي محركات رئيسية لدورات المغذيات البيئية والإنتاج الزراعي وصحة الإنسان والحيوان". ومن ثم "أصبح من الضروري اكتساب المزيد من المعرفة التأسيسية عن هذه التفاعلات من أجل فهم أفضل للميكروبيومات على كوكب الأرض وتطوير أدوية جديدة، مثل اللقاحات القائمة على البكتيريا أو كوكتيلات العاثيات لعلاج العدوى المقاومة للمضادات الحيوية".

تلتصق البكتيريوفاج بالطبقة المخاطية للأمعاء وتساعدنا في التخلص من البكتيريا الممرضة (غويدو 4-ويكيبيديا)

المادة البيولوجية المظلمة

اختبر موتاليك وزملاؤه طريقتهم على سلالتين من الإشريكية القولونية المعروفة باستهدافها من قبل 14 عاثية متنوعة وراثيا. وأكدت نتائجهم الجديدة أن الطريقة تعمل بسلاسة من خلال الكشف بسرعة عن نفس مجموعة مستقبلات العاثيات التي تم تحديدها سابقا خلال عقود من البحث.

ووفقا لتصريحات موتاليك، يمكن أيضا توسيع نطاق النهج لتقييم علاقات العاثيات بمئات البكتيريا المأخوذة من بيئات متنوعة. سيسهل هذا على العلماء دراسة "المادة المظلمة" البيولوجية للكوكب، والتي تشير إلى الكائنات الدقيقة غير القابلة للزراعة وبالتالي غير المفهومة جيدا والتي تكثر في العديد من البيئات.

في الواقع، تشير التقديرات إلى أن 99% من الكائنات الحية الدقيقة لا يمكن استزراعها في المختبر، ولهذا يمثل نهج الفريق أيضا فرصة لتوحيد الموارد الجينية المستخدمة في أبحاث العاثيات، والتي كانت دائما عملية مخصصة ومتغيرة للغاية، وإنشاء كواشف ومجموعات بيانات قابلة للمشاركة.

يقول موتاليك "إن دور العاثيات ضخم، حيث نعلم أن هناك عاثيات في كل مكان، لكننا بالكاد نعرف أي شيء أكثر من ذلك. على سبيل المثال، نحن نفهم أقل من 10% من الجينات المشفرة في جينومات العاثيات المتسلسلة سابقًا".

ويضيف "الآن بعد أن أصبح لدينا أخيرا أداة مبسطة للنظر داخل العاثيات، هناك العديد من الأسئلة المثيرة التي يمكننا البدء في الإجابة عنها وفرصة لإحداث فرق في العالم".

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

اكتشف باحثون كرواتيون أن البكتيريا كائنات حية متعددة الخلايا مثلنا تماما، وأن تطور الأغشية الحيوية يمكن مقارنته بالتكوين الجنيني الحيواني، ويمكن أن يغير ذلك قواعد اللعبة في علاج الأمراض.

Published On 24/10/2020
المزيد من علوم
الأكثر قراءة