تستخدم منذ ألفي عام للعلاج.. نبتة طبية تختبئ عن أعين البشر

نبتة "لو باي" في التجمعات التي تعاني من ارتفاع ضغط الحصاد (يانغ نيو-معهد كونمينغ)
نبتة "لو باي" في التجمعات التي تعاني من ارتفاع ضغط الحصاد (يانغ نيو-معهد كونمينغ)

في مروج أحد الجبال الصينية حيث يقطف البشر نباتا شهيرا يستخدم في الطب التقليدي الصيني، لاحظ العلماء أن الأعشاب المعمرة لهذا النبات تمتزج مع الخلفية الصخرية، وتحاول هذه النبتة النادرة بذلك أن تختفي عن أعين البشر بأقصى ما في وسعها، حيث يجري حصادها بشكل جائر.

وأفادت دراسة بحثية جديدة لـ"معهد كونمينغ لعلم النبات" (Kunming Institute of Botany) بالأكاديمية الصينية للعلوم، و"جامعة إكستر" (University of Exeter) البريطانية، أن نبتة "لو باي" (Lu Bei) المستخدمة في الطب الصيني، والتي تعيش على المنحدرات الصخرية لجبال هينغدوان، يتطابق لونها بشكل أوثق مع الخلفية الصخرية بالمنطقة التي تنمو فيها.

ووفقا للدراسة المنشورة بدورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني، فإن هذا الأمر يشير إلى أن البشر يقودون عملية تطور هذا النوع النباتي؛ ليظهر أشكالا لونية جديدة تسمح له بالتخفي عن أعين الجامعين؛ لأن النباتات القادرة على التمويه تتمتع بفرص أكبر للبقاء على قيد الحياة.

الحصاد الجائر

تحتوي نبتة "لو باي" واسمها العلمي "فريتيلاريا دلافاي" (Fritillaria delavayi) على مجموعة من الأوراق تتدرج في اللون من الرمادي إلى البني؛ لكنها لا تبدأ في إنتاج البصيلات إلا بعد مرور السنة الخامسة من حياتها.

استخدم النبات في الطب الصيني لأكثر من ألفي عام، ويعتبر العلاج الأكثر استخداما في الصين للسعال والبلغم، وبعد آلاف السنين من الحصاد البشري، أدت شعبيته المتزايدة في السنوات الأخيرة إلى الإفراط في تجميعه بشكل جائر.

وعلى مر التاريخ، لم يكن العثور على هذه النبتة صعبا، حيث تتميز بلونها الأخضر البراق في وسط بحر من الحصى الرمادية، غير أن الطلب المرتفع على هذه النبتة جعلها نادرة أكثر وأغلى ثمنا، فهناك حاجة إلى أكثر من 3500 بصيلة فردية لصنع كيلوغرام واحد فقط من مسحوق هذه النبتة، ويبلغ سعره اليوم حوالي 480 دولارا.

نبتة "لو باي" في التجمعات التي تعاني من انخفاض ضغط الحصاد (يانغ نيو -معهد كونمينغ)

تمويه النباتات

يُعتبر التمويه أو التنكر واحدا من أفضل وسائل بقاء الكائنات الحية، واستخدمته النباتات طريقة للاختباء من الحيوانات العاشبة التي قد تأكلها، وتكيّف النباتات نفسها مع البيئة المحيطة بها بواسطة التمازج معها كي تزيد من فرص بقائها على قيد الحياة.

تتموه معظم النباتات وتتخفى، وتخدع الحيوانات باستخدام هذه الميزة؛ لكن هذه الدراسة الحديثة تشير إلى أن هذا النوع من النباتات طور الآلية نفسها للاختباء من البشر. حيث وجد الباحثون أن النباتات التي تنمو على المنحدرات الصخرية لجبال هينغدوان تتطابق مع خلفياتها بشكل وثيق في المناطق التي يقوم فيها البشر بحصادها بشكل مكثف.

وأرغم سلوك القطف الجائر النباتات على تحويل لونها من أخضر براق إلى رمادي وبني؛ ليتماشى مع الحصى والصخور التي تنمو بينها. وأجرى معهد كونمينغ لعلم النبات دراسة عن مدى تناسق النباتات مع خلفياتها من مناطق جبلية مختلفة، ومدى سهولة حصادها، ووجد العلماء أن مستوى التمويه في النباتات كان مرتبطا بمستويات الحصاد في كل منطقة.

ووفقا للبيان الصحفي الصادر عن جامعة إكستر يقول البروفيسور مارتن ستيفنز من مركز الإيكولوجيا والحفظ في الجامعة "يبدو أن العديد من النباتات تستخدم التمويه للاختباء من الحيوانات التي تقتات عليها، ولكن هنا نرى التمويه يتطور استجابة لهواة جمع النبات من البشر"، ويضيف "من المحتمل أن يكون البشر قد قادوا تطور الإستراتيجيات الدفاعية في أنواع نباتية أخرى؛ لكن من المدهش أن القليل من الأبحاث قد فحصت هذا الأمر".

تباين لون نبتة "لو باي" في البيئات المختلفة نتيجة لاختلاف ضغط الحصاد (معهد كونمينغ)

تطور النبات

ويقول الدكتور يانغ نيو، المؤلف الأول للدراسة الجديدة من معهد كونمينغ لعلم النبات، الأكاديمية الصينية للعلوم، "اعتقدنا أن تطور تمويه هذه النبتة كان مدفوعا بالحيوانات العاشبة؛ لكننا لم نجد مثل هذه الحيوانات.. ثم أدركنا أن البشر قد يكونون السبب".

وجد الباحثون أن الحصاد الجائر يمثل ضغطا أقوى بكثير من العديد من الضغوط البيئية الطبيعية الأخرى، ووجدوا أن مستوى التمويه في النباتات كان مرتبطا بمستوى الحصاد خلال السنوات الخمس الماضية.

ولمزيد من اختبار قدرة النبات على التمويه أجرى الباحثون تجربة مبنية على الحواسيب طُلب من المشاركين فيها تحديد ألوان مختلفة للعشب في 14 صورة من بيئتها الطبيعية، وكما هو متوقع، كان من الصعب تحديد موقع النباتات الأكثر تمويها والأقل خضرة، ويستغرق رصدها فترة أطول.

يقول ستيفنز في البيان الصحفي "من الرائع أن نرى كيف يمكن للإنسان أن يكون له مثل هذا التأثير المباشر والدرامي على تلون الكائنات البرية، ليس فقط على بقائها على قيد الحياة؛ لكن على تطورها نفسه". ويضيف "من المحتمل أن يكون البشر قد قادوا تطور الإستراتيجيات الدفاعية في أنواع نباتية أخرى؛ لكن من المدهش أن القليل من الأبحاث قد فحصت هذا الأمر".

المصدر : الصحافة الأسترالية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة