كشف يتحدى المعتقد الراسخ.. البكتيريا كائنات اجتماعية متعددة الخلايا مثلنا تماما

مراحل تطور الأغشية الحيوية للبكتيريا العصوية الرقيقة تشبه مراحل تطور الأجنة الحيوانية (ممير فوتو، معهد رودر بوسكوفيتش)
مراحل تطور الأغشية الحيوية للبكتيريا العصوية الرقيقة تشبه مراحل تطور الأجنة الحيوانية (ممير فوتو، معهد رودر بوسكوفيتش)

كانت البكتيريا من أول أشكال الحياة التي ظهرت على سطح الأرض، وخلافا للحيوانات والكائنات متعددة الخلايا يُنظر إليها على أنها كائنات بسيطة وحيدة الخلية.

ومع ذلك، فإن العمل الذي نشره مؤخرا فريق بحث دولي في دورية "موليكلر بيولوجي أند إيفولوشن" (Molecular Biology and Evolution) في سبتمبر/أيلول الماضي يتحدى هذه الحقيقة العلمية الراسخة، ويؤكد أن البكتيريا كائنات حية متعددة الخلايا مثلنا تماما.

ويشرح قائد الفريق البحثي البروفيسور توميسلاف دومازيت لوسو -من معهد رودر بوسكوفيتش (Ruder Boskovic Institute) والجامعة الكاثوليكية الكرواتية (Catholic University of Croatia)- هذه النتيجة المدهشة في بيان صحفي نشر على موقع المعهد في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

يقول توميسلاف "المثير للدهشة أننا وجدنا أن تطور الأغشية الحيوية البكتيرية يمكن مقارنته بالتكوين الجنيني الحيواني، وهذا يعني أن البكتيريا كائنات حية متعددة الخلايا مثلنا تماما".

وتُظهر نتائج هذه الدراسة أن البكتيريا أكثر تعقيدا مما كنا نظن، وأنه ينبغي أن يتعامل العلماء مع الأغشية الحيوية البكتيرية على أنها كائن متعدد الخلايا، وقد تؤدي هذه النظرة الجديدة إلى إيجاد إجراءات صارمة وفعالة لمقاومة الأغشية الحيوية، مما يعالج الأمراض المعضلة التي تتسبب فيها البكتيريا.

سر الأغشية الحيوية

تتعلق البكتيريا عادة على الأسطح مكونة تجمعات كثيفة، ويتم تنظيمها في مجموعات تعرف باسم الأغشية الحيوية أو "البيوفيلم"، وتعتبر الأغشية الحيوية مهمة للغاية في البيئات الصناعية والطبية، حيث تؤدي غالبا إلى التلوث أو العدوى المستمرة التي تقاوم العلاجات.

ورغم أن علماء الأحياء الدقيقة أدركوا في السابق أن الخلايا البكتيرية تعيش حياة اجتماعية داخل الأغشية الحيوية، فإنه لم تتم دراسة تطور هذا السلوك الجماعي من قبل.

في تلك الدراسة، استخدم الباحثون أساليب تطورية لدراسة نمو الأغشية الحيوية، وهو نمط الحياة البكتيري الأكثر شيوعا، ويؤكدون أنهم وجدوا خطوات تشبه تطور الجنين الحيواني لدى الأغشية الحيوية للبكتيريا العصوية الرقيقة.

يقول توميسلاف "كانت الأساليب التطورية لدراسة السلوك الجماعي للخلايا في نمو الحيوان في متناول اليد، لكنه لم يحاول أحد نقل هذه التكنولوجيا من أجنة الحيوانات إلى الأغشية الحيوية البكتيرية".

البكتيريا العصوية الرقيقة مصبوغة تحت المجهر الضوئي لإظهار الأبواغ الداخلية الصلبة (دبليو مرابيدز-ويكيبيديا)

التأريخ التطوري

طور الفريق نهجا حسابيا، أطلق عليه اسم علم وصف طبقات تطور السلالات الجينومي، الذي يسمح بالتأريخ التطوري للجينات والبروتينات على نطاق واسع، وبالتعاون مع باحثين آخرين، قاموا بتطبيق هذه الأداة على خصائص البكتيريا.

ويشرح توميسلاف "لقد أنشأنا أول خرائط طبقية للغشاء الحيوي البكتيري، وهذا سمح لنا بربط الأنماط الظاهرية للبكتيريا في الأغشية الحيوية بالمعلومات التطورية".

وأخذ الباحثون عينات من الأغشية الحيوية للبكتيريا العصوية الرقيقة (Bacillus subtilis)، وهي نوع من البكتيريا تتواجد في التربة، وكذلك الأمعاء البشرية، ولديها القدرة على تحمل الظروف البيئية غير الملائمة.

وقام العلماء بتقدير مستويات التعبير الجيني، لجميع جينات البكتيريا أثناء عملية نمو الأغشية الحيوية، ثم تابع فريق البحث المسار، وبحثوا عن ميزات أخرى للتكوين الجنيني في الأغشية الحيوية، والمدهش أنهم اكتشفوا أن نفس خطوات وتعبيرات الجينات الموجودة في الحيوانات متماثلة في الأغشية الحيوية.

يقول توميسلاف "من المثير للدهشة أننا وجدنا أن الجينات التطورية الأصغر قد تم التعبير عنها بشكل متزايد في نمو الأغشية الحيوية، وتم اعتبار هذه الأنماط علامة على تطور الجنين في حقيقيات النوى المعقدة".

صورة بالمجهر الإلكتروني لمقطع في خلية بكتيريا عصوية (دبليو مرابيدز-ويكيبيديا)

تغيير قواعد اللعبة

تتحدى هذه النتائج الوضع الراهن لتصورنا عن طبيعة تطور الخلايا حقيقية النواة، وتظهر أن البكتيريا أكثر تعقيدا مما كنا نظن.

ويختتم توميسلاف الحديث بقوله "تشير نتائجنا إلى أنه ينبغي النظر إلى الأغشية الحيوية على أنها كائن متعدد الخلايا، وليس كومة من الخلايا الفردية. ويمكن أن يغير ذلك قواعد اللعبة في علاج الأمراض ذات الصلة بالأغشية الحيوية، وفي منع الخسائر الصناعية".

وبالفعل، يمكن أن تساعد الأدوات التي تم تطويرها في هذه الدراسة أيضا على إيجاد إجراءات فعالة للتحكم في الأغشية الحيوية، وهي مشكلة لم يتم حلها إلى حد كبير في الصناعة والطب.

المصدر : الصحافة الأسترالية

حول هذه القصة

كشف باحثون من جامعة مكغيل الكندية الخطوات التي أصبح من خلالها نوعان من الكائنات الحية (بكتيريا بلوتشمانيا والنمل الحفار) يعتمدان على بعضهما البعض من أجل البقاء، ومن أجل تكوين حياة واحدة ذات شكل معقد.

المزيد من علوم
الأكثر قراءة