أحدث دراسة لذوبان جليد أنتاركتيكا.. عواقب وخيمة على مدن العالم الساحلية

العالم مهدد بغرق المدن الساحلية ومواقع التراث الثقافي (ديتمار رابيتش - ويكيميديا كومونز)
العالم مهدد بغرق المدن الساحلية ومواقع التراث الثقافي (ديتمار رابيتش - ويكيميديا كومونز)

حذر فريق بحثي دولي من خطورة تصاعد الاحترار، الذي يزيد بدوره من سرعة فقدان الكتلة الجليدية في القارة، وتداعيات هذا الفقد غير القابل للاسترداد على المدن الساحلية ومواقع التراث الثقافي في العالم، من لندن إلى مومباي، ومن نيويورك إلى شنغهاي، وذلك في دراسة جديدة أجراها الفريق حول حالة الثبات في القارة القطبية الجنوبية.

عواقب وخيمة

الدراسة شارك فيها باحثون من "معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ" (Potsdam Institute for Climate Impact Research) بألمانيا، و"جامعة كولومبيا في نيويورك" بالولايات المتحدة (New York’s Colombia University).

في دراستهم تلك التي نشرت بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول الماضي في مجلة "نيتشر" (Nature)، يعرض فريق من الباحثين مقدار الاحترار، الذي يمكن أن تتحمله الطبقة الجليدية في القطب الجنوبي.

وقد رصدت الدراسة الأثر البيئي على مدار ما يقارب مليون ساعة (114 سنة تقريبا) من تاريخ بدء عمليات المحاكاة التفصيلية للنماذج المناخية، التي قاموا بتطويرها.

وتمكنوا من تحديد الموقع الدقيق، الذي ستصبح فيه الكتلة الجليدية غير مستقرة، إضافة إلى تحديد مستويات الاحترار المرافقة لذلك. ووجدوا بأنه عندما يتحول الجليد إلى حالة غير مستقرة، فإنه سيذوب، ويتجه إلى المحيط مما سيكون له عواقب وخيمة على المدى الطويل.

فعلى سبيل المثال إذا استمر متوسط مستوى درجة الحرارة العالمية لفترة طويلة بما فيه الكفاية عند 4 درجات فوق مستويات ما قبل الصناعة، فإن ذوبان القطب الجنوبي وحده يمكن أن يرفع مستوى سطح البحر العالمي في النهاية أكثر من 6 أمتار.

تصاعد الاحترار يزيد من سرعة فقدان الكتلة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية (بيكساباي)

علاقة طردية

تحتفظ أنتاركتيكا بأكثر من نصف المياه العذبة على الأرض مجمدة في طبقة جليدية واسعة يبلغ سمكها حوالي 5 كيلومترات.

ونظرا لارتفاع درجة حرارة مياه المحيطات والغلاف الجوي؛ بسبب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري البشرية، يفقد الغطاء الجيدي الموجود على القطب الجنوبي كتلته، ويصبح في النهاية غير مستقر.

وبهذا فإنه عند مستوى درجتين من الاحترار وذوبان الجليد وتدفقه المتسارع إلى المحيط، سيؤدي في النهاية إلى ارتفاع 2.5 أمتار في مستوى سطح البحر العالمي من القارة القطبية الجنوبية وحدها.

وعند 4 درجات من الاحترار العالمي، سيكون ارتفاع مستوى سطح البحر 6.5 أمتار، وعند 6 درجات تقريبا سيرتفع مستوى سطح البحر لـ12 مترا إضافية، وذلك في حال التصاعد المستمر لدرجات الاحترار العالمي خلال فترة زمنية مديدة كما هو الحال الذي نعيشه اليوم.

تحتفظ أنتاركتيكا بأكثر من نصف المياه العذبة على الأرض مجمدة في طبقة جليدية واسعة (بيكساباي)

ذوبان بطيء لكنه أبدي

تعتبر القارة القطبية الجنوبية أساسا تراثيا في تاريخ الأرض يعود إلى ما يقارب 34 مليون سنة، وقد أفادت عمليات المحاكاة التي أجراها الباحثون أنه بمجرد ذوبانها، فإنها لن تعود إلى حالتها الأولية من جديد حتى لو انخفضت درجات الحرارة مرة أخرى.

في الواقع، لا بد أن تعود درجات الحرارة إلى مستويات ما قبل الصناعة للسماح باستردادها الكامل، وهو سيناريو غير مرجح على الإطلاق.

هذا يعني أن ما نخسره من القارة الجنوبية يعتبر فاقدا غير قابل للاسترداد، وذلك بسبب آليات ذاتية في سلوك الصفائح الجليدية في ظل ظروف الاحترار العالمي، حيث إن المحرك الرئيسي لفقدان الجليد هو مياه المحيط الدافئة، التي تؤدي إلى ذوبان أعلى تحت الجروف الجليدية، مما يؤدي بدوره إلى زعزعة استقرار الغطاء الجليدي الأرضي.

وبمجرد عبور درجات الحرارة عتبة 6 درجات فوق مستويات ما قبل الصناعة، تغرق الجبال الجليدية العملاقة ببطء إلى ارتفاعات منخفضة، حيث يكون الهواء أكثر دفئا؛ مما يؤدي إلى ذوبان المزيد من الغطاء الجليدي كما يحدث في غرينلاند.

أفادت عمليات المحاكاة أنه بمجرد ذوبان جليد أنتاركتيكا، فإنها لن تعود إلى حالتها الأولية حتى لو انخفضت درجات الحرارة (بيكساباي)

مصيرنا في أيدينا

تسارع فقدان الجليد وذوبانه بشكل كبير خلال العقود الماضية في القارة القطبية الجنوبية. ومع ذلك، لم يتطرق المؤلفون صراحة إلى مسألة النطاق الزمني في عملهم؛ بل قاموا بدلا من ذلك بتقييم مستويات الاحترار الحرجة، التي تصبح معها أجزاء من الصفيحة الجليدية في القطب الجنوبي غير مستقرة.

وهنا تكمن المساهمة الأصيلة، التي قدمها الباحثون في دراستهم حول تحديد المقياس الزمني للتداعيات المتلاحقة لظاهرة الاحترار العالمي.

وفي النهاية، فإن حرقنا للفحم والنفط هو الذي يحدد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الحالية والمستقبلية، وبالتالي يمكن أن نقرر الآن ما إذا كنا سننجح في وقف الاحترار وحماية ما تبقى من القارة القطبية الجنوبية، وبمعنى أصح حماية المدن والمواقع الثقافية عبر العالم، من كوباكابانا في ريو دي جانيرو إلى دار الأوبرا في سيدني من مصير أسود محقق في حال فشلنا في وقف هذا الاحترار. وهكذا فإن التنازل عن اتفاقية باريس وعدم الالتزام بها يعني التخلي عن مدن مثل هامبورغ وطوكيو ونيويورك.

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة