خرائط الخلايا البانورامية.. برنامج جديد يسمح بالدخول إلى الخلايا وتتبعها

الواقع الافتراضي يمكّن العلماء من تتبع خلايا الجسم البشري (بيكسابي)
الواقع الافتراضي يمكّن العلماء من تتبع خلايا الجسم البشري (بيكسابي)

عندما شعرت "أليس" -تلك الفتاة الصغيرة- بالملل من طول جلوسها بجوار أختها أخذت تركض وراء أرنب رأته يدخل للتو جحرا أمامها، ففوجئت بعدها بعالم مليء بالعجائب والأسرار والمغامرات، لكن على ما يبدو أن رحلة أكثر إثارة كانت يمكن أن تنتظرها لو قررت الدخول إلى الخلية البشرية وسبر أغوارها.

لم يعد ذلك ضربا من الخيال بعد، ففي دراسة حديثة أجراها علماء في جامعة كامبردج (University of Cambridge) ونشرت نتائجها في دورية "نيتشر ميثودز" (Nature Methods) في الـ12 من أكتوبر/تشرين الأول الحالي أصبح الآن ممكنا التجول داخل اللغز الأكبر -الخلية البشرية- لكشف أسرارها الدفينة.

أوجه التحديات

يتيح الفحص المجهري فائق الدقة -الذي حاز مكتشفوه على جائزة نوبل للكيمياء عام 2014- الحصول على صور بدقة تصل إلى مستوى النانومتر، وذلك باستخدام حيل فيزيائية ذكية للالتفاف على بعض الظواهر الفيزيائية المقيدة لعملية التصوير فائق الدقة مثل ظاهرة "حيود الضوء"، وقد مكن ذلك الباحثين من مراقبة العمليات الجزيئية التي تحدث في الخلايا وقت حدوثها الفعلي.

وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت هناك مشكلة عصية تتمثل في صعوبة معالجة وتحليل هذه النتائج بشكل ثلاثي الأبعاد، الأمر الذي دفع باحثي جامعة كامبردج إلى ابتكار برنامج معتمد على تقنية الواقع الافتراضي -أطلق عليه اسم "في لوم" (vLUME)- والتي تسمح للباحثين بالسير داخل الخلايا الفردية وتحليلها، لفهم المشكلات الأساسية في علم الأحياء وتطوير علاجات جديدة للأمراض.

استكشاف إحدى الخلايا العصبية باستخدام برنامج الواقع الافتراضي "في لوم" (يوريك ألرت)

يقول الدكتور ستيفن لي -قائد هذه الدراسة في قسم الكيمياء بجامعة كامبردج- في البيان الصحفي الذي نشرته الجامعة إن "العمليات الحيوية تحدث داخل أجسامنا بصورتها ثلاثية الأبعاد، إلا أننا حتى الآن نواجه صعوبة في التعامل مع هذه البيانات على شاشة الحاسوب ثنائية البعد".

ويضيف "لم يكن الأمر كذلك بعدما شرعنا في تحليل البيانات التي حصلنا عليها باستخدام الواقع الافتراضي، إذ بدا كل شيء في مكانه الصحيح".

تعاون أكاديمي صناعي

تم تصميم هذا البرنامج بالتعاون مع شركة "لوم في آر المحدودة" (Lume VR Ltd) والمتخصصة بتصميم برمجيات تحليل الصور ثلاثية الأبعاد، فبينما عمل فريق لي بما لديه من خبرة في مجال الفحص المجهري فائق الدقة على جمع البيانات انشغل فريق شركة "لوم" بعمليات الحوسبة المكانية وتحليل تلك البيانات.

وأثمر التعاون عن ابتكار أداة جديدة مكنت العلماء من استكشاف مجموعات البيانات المعقدة، إذ يسمح هذا البرنامج بتحليل بيانات الفحص المجهري فائق الدقة باستخدام الواقع الافتراضي، بما يمكننا في النهاية من تتبع كل شيء تقريبا بدءا من البروتينات المفردة داخل الخلية وصولا إلى استكشاف وتحليل الخلية بأكملها.

ويقول ألكسندر كيتشنغ الرئيس التنفيذي لشركة "لوم" إن هذا البرنامج "قد أصبح ثورة في مجال التصوير، وذلك لتمكنه من وضع الإنسان تحت عدسة الفحص النانوية".

وأضاف أن "استخدام منهجية الواقع الافتراضي مكن العلماء من تخيل الأنظمة البيولوجية وصياغة التساؤلات حول ما يتم جمعه من بيانات بيولوجية ثلاثية الأبعاد، وذلك أثناء الوقت الفعلي الذي تحدث به تلك العمليات البيولوجية".

ويضيف كيتشنغ "ينتج الفحص المجهري فائق الدقة بيانات معقدة للغاية، إذ يستغرق تحليل تلك البيانات من العلماء أوقاتا طويلة جدا، لذا فإن برنامج "في لوم" سيمكننا من تقليل الوقت اللازم لتحليل تلك البيانات، ثم الحصول على إجابات للأسئلة البيولوجية بشكل أسرع".

آفاق جديدة

سيؤدي عرض البيانات بهذه الطريقة الافتراضية إلى إلهام الباحثين بالأفكار الجديدة وتشجيع المبادرات المبتكرة.

فعلى سبيل المثال، استخدمت أنوشكا هاندا -وهي طالبة دكتوراه في مجموعة لي البحثية- البرنامج للتجول داخل خلية مناعية مأخوذة من دمها، ثم وقفت داخل خليتها باستخدام الواقع الافتراضي.

وتعقب هاندا على تلك التجربة بأنها "أمر لا يصدق، إذ يمنحك ذلك البرنامج منظورا جديدا عن عملك".

مكن برنامج "في لوم" الباحثين من السير داخل الخلايا وتتبعها بشكل ثلاثي الأبعاد (يوريك ألرت)

يعكف فريق لي حاليا على استخدام هذا البرنامج لتتبع عدد من البيانات البيولوجية المأخوذة من الخلايا العصبية والخلايا المناعية والسرطانية.

وقد مكنتهم تقنية الواقع الافتراضي من استبعاد إحدى الفرضيات سريعا -والتي تخص عملهم- ثم اقتراح فرضيات جديدة، دون فقد المزيد من الوقت والجهد في استكشاف فرضيات قد تكون خاطئة.

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة