ثوران الينابيع الحارة من أغرب الظواهر الطبيعية.. لكنها قد تنتهي

أشار التأريخ بالكربون المشع إلى أن الأشجار نمت حول ينبوع "أولد فيثفول"‏ منذ عدة قرون؛ لكنه اليوم تل قاحل خال من الأشجار (جيدون بيكو-بيكساباي)
أشار التأريخ بالكربون المشع إلى أن الأشجار نمت حول ينبوع "أولد فيثفول"‏ منذ عدة قرون؛ لكنه اليوم تل قاحل خال من الأشجار (جيدون بيكو-بيكساباي)

قدمت دراسة نشرتها مجلة "جيوفيزيكال ريسيرتش ليترز" (Geophysical Research Letters) بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أول دليل واضح على أن الجفاف الشديد طويل الأمد يمكن أن يؤدي إلى توقف ثوران ينبوع "أولد فيثفول" (Old Faithful)‏ الحار.

"أولد فيثفول" من أشهر الينابيع الحارة (الحَمَّة أو النافورة الحارَّة) في "منتزه يلوستون الوطني" (Yellowstone National Park)، في ولاية وايومنغ بالولايات المتحدة، حيث تنفث بانتظام نفثات ضخمة من الماء المغلي والبخار كل 74 دقيقة في المتوسط.

وتصل حرارة المياه التي تطلقها إلى 95.6 درجة مئوية عندما تضرب الهواء بالخارج، ويمكن أن تتجاوز سحابة البخار 177 درجة مئوية وتصل إلى 43 مترا في الارتفاع.

ويثور الينبوع الحار مرة كل 44 دقيقة إلى ساعتين منذ عام 2000، وتم تسجيل أكثر من مليون ثوران له، ووصفت علاقة رياضية بين مدة وفترات الثوران لأول مرة عام 1938.

ساعة الأبدية

ينفجر "أولد فيثفول" بانتظام آسرا للألباب، وتتدفق الانفجارات الهائلة من الماء الساخن والبخار، التي يغذيها النشاط الحراري الأرضي لبركان يلوستون العملاق الموجود تحته، بدقة كبيرة مثيرة للإعجاب لدرجة أنه يمكن توقعها، مما يمنح هذا الينبوع الحار لقب "ساعة الأبدية" أو ساعة الخلود.

لكن "أولد فيثفول" لم يكن دائما مخلصا، وفي أوقات طويلة، توقفت هذه الساعة الأبدية تماما، ومنذ 800 عام، كان "أولد فيثفول" هادئا، وقد يحدث ذلك مرة أخرة في المستقبل.

وفي العقود الماضية، لاحظ العلماء أن الفترة الفاصلة بين الثورات البركانية قد تغيرت بشكل كبير، حيث امتدت من حوالي 60-65 دقيقة في الخمسينيات إلى حوالي 90-94 دقيقة منذ عام 2001.

توقف ينبوع "أولد فيثفول" الحار بسبب الجفاف الشديد في القرن 13 (واتسون/خدمة الحديقة الوطنية)

التأريخ بالكربون المشع

للتحقيق في سبب تغير الفترات الفاصلة بين الثورات البركانية، ولمعرفة الرابط بين هذا التغير وتنوع الجفاف على المدى الطويل في المنطقة، قام باحثون من هيئة المسح الجيولوجي الأميركية "يو إس جي إس" (USGS) بجمع العديد من بقايا عينات الأخشاب الممعدنة الموجودة حول التلّ الصغير بينبوع "أولد فيثفول".

وقام الفريق بتحليل 13 عينة من بقايا عينات الأخشاب، مع التأريخ بالكربون المشع "كربون-14" (C14)، وهو نظير مشع للكربون يوجد طبيعيا في المواد العضوية كالأشجار والأخشاب القديمة، ويستخدم لتعيين عمر العينات القديمة والآثار، التي قد يبلغ عمرها 10 آلاف عام أو أكثر.

وكانت دراسة رائدة منذ عقود قد قامت بتحليل عينة خشب قديمة تم الحصول عليها من "أولد فيثفول"، وأشارت إلى أن ثوران هذا الينبوع الساخن تراجع لبعض الوقت، ونمت الأشجار في موقعه.

ينفث ينبوع "أولد فيثفول"‏ الحار نفثات ضخمة من الماء المغلي والبخار بانتظام (مايك جواد- بيكسابي)

وفي الدراسة الأخيرة تأكد هذا الأمر، حيث أشار التأريخ بالكربون المشع إلى أن هذه الأشجار نمت في يلوستون منذ عدة قرون، من حوالي سنة 1233 إلى 1362.

ولكن اليوم، هذه الهضبة قاحلة وخالية من الأشجار؛ لأن النباتات لا تنمو على تلال الينابيع النشطة، حيث إن الطوفان المستمر للمياه الساخنة، والتصريف الغني بالقلويات عادة ما يكون غير متوافق مع الإنبات ونمو الشتلات.

قال شاؤول هورويتز، المؤلف الأول وعالم الجيولوجيا في هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، لمجلة "ساينس" (Science) "عندما قدمت العينات للتأريخ بالكربون المشع، لم أكن أعرف ما إذا كان عمرها مئات أو آلاف السنين"، وأضاف "لقد كانت لحظة مثيرة للدهشة، لحظة تجمعوا فيها جميعا خلال فترة 100 عام في القرنين 13 و14".

شذوذ المناخ

لمعرفة سبب وكيفية تمكن هذه الأشجار من العيش في هذه النافذة الزمنية القصيرة نسبيا، والتي توقف خلالها الثوران على ما يبدو، بحث العلماء عن البيانات التاريخية، التي يمكن أن تفسر ظروف الجفاف في ذلك الوقت.

لم يكن عليهم أن ينظروا بعيدا، حيث تشير بيانات حلقات الأشجار المحلية السابقة إلى موجات جفاف كبيرة واضحة في جميع أنحاء المنطقة، نتيجة لظروف قاسية خلال حلقة تُعرف باسم "شذوذ المناخ" في العصور الوسطى (معروفة أيضا باسم الشذوذ المناخي القروسطي، واستمرت بين حوالي 950-1250).

كان "أولد فيثفول" متوقفا منذ 800 عام، وقد يحدث ذلك مرة أخرة في المستقبل القريب (جيدون بيكو- بيكساباي)

أوضحت عالمة المناخ القديم، كاثي ويتلوك، من "جامعة ولاية مونتانا" (Montana State University)، في تعليقها على دراسة لموقع "إنسايد ساينس" (Inside Science) "نعلم أن يلوستون كان أكثر دفئا وجفافا.. كان خط الأشجار العلوي أعلى المنحدرات، وهناك أدلة على المزيد من الحرائق خلال تلك الفترة".

الروابط التي وجدها الفريق قد تشير أيضا إلى اختلاف ثوران الينابيع في المستقبل، حيث يصبح العالم أكثر سخونة وجفافا في مواجهة تغير المناخ، وكتب الفريق "تتنبأ النماذج المناخية بحالات جفاف شديدة وحرائق كبيرة بحلول منتصف القرن، تؤدي إلى تحول كبير في النظم البيئية في يلوستون".

وعلى الرغم من أن "ساعة الأبدية" أظهرت أنه يمكن أن يكون غير موثوق بها في بعض الأحيان؛ إلا أن الساعة الحقيقية لا تتوقف أبدا.

المصدر : الصحافة الأسترالية

حول هذه القصة

المزيد من علوم
الأكثر قراءة